66
ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان سنة الرسول من تطاوله في البنيان، وإفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية، وما كان من الوليد بن عقبة أمير الكوفة الذي صلى بالمسلمين وهو سكران (جلده ثمانين على شرب الخمر)، وما كان من تركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على قوم بالمدينة، ليست لهم صحبة من النبي، ثم لا يغزون ولا يذبون، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران. وعمار لا يضرب حتى يفتق بطنه ويغشى عليه ويطرح على باب الدار، فيغضب لما حل به بنو المغيرة وكان حليفهم، بل يغضب السواد الأعظم من الصحابة لما حل به، وكان من النقباء في مجلس الرسول، ومناقبه كثيرة في الإسلام، فكان بما جرى عليه من أعظم من ألب على عثمان، وخدم عليا ضروب الخدم، حتى قتل في صفين.
سياسة علي بن أبي طالب
بويع علي بالخلافة بعد مقتل عثمان، قيل جاءه طلحة والزبير وسألاه البيعة له فقال: لا حاجة لي في أمركم، من اخترتم رضيت به، فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا وقالوا: إنا لا نعلم أحدا أحق بالأمر منك، ولا أقدم منك سابقة، ولا أقرب من رسول الله، فقال:
67
دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد غامت،
68
والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا، وبعد هذا التمنع قصدوه في المسجد فبايعوه وبايعته الأنصار، إلا حسان
69
بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبا سعيد الخدري، والنعمان بن بشير، ومحمد بن مسلمة، وفضالة بن عبيد، وزيد بن ثابت، قيل: إن عثمان كان ولاهم على الصدقات وغيرها، وكذلك لم يبايع عليا سعيد بن زيد، وعبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة، وسمي هؤلاء المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي، وسار النعمان بن بشير إلى الشام بقميص عثمان الملطخ بالدم، فأخذ معاوية بن أبي سفيان أمير الشام يعلقه على المنبر، يحرض أهل الشام على المطالبة بدم عثمان، ثم على قتال علي؛ لأنه لم يقتل قتلة عثمان.
وطلب علي من معاوية البيعة له فأبى إلا أن يسلم إليه قتلة عثمان أولا، وكتب إلى علي يقول: «لو بايعك القوم الذين بايعوك، وأنت بريء من دم عثمان كنت كأبي بكر وعمر وعثمان - رحمة الله عليهم - ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين.» فأجابه علي: «لعمري، ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال ولا ليضربهم بالعمى.» على أن معاوية ما كان بالذي
70
ينكر فضل علي واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان على البيعة أولا، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان، والكلام فيه عن ولد عثمان دون الحكم بن أبي العاص لسنه وقوته على الطلب بذلك، ولمكان قرابته من عثمان، فهو المطالب ضمنا بالأخذ بثأره.
بعث معاوية بكتاب مع أبي مسلم الخولاني
71
إلى علي بن أبي طالب جاء فيه: وأخرى أنت بها ظنين إيواؤك قتلته - قتلة عثمان - فهم عضدك ويدك وأنصارك وبطانتك، فلما وقع الكتاب إليه أراده على أن يجيئه من الغد، فدخل عليه أبو مسلم وهو في المسجد؛ فإذا بزهاء عشرة آلاف رجل قد لبسوا السلاح، وهم ينادون كلنا قتلة عثمان، فقال أبو مسلم لعلي إني لأرى قوما ما لك معهم أمر، وأحسب أنه بلغهم الذي قدمت له ففعلوا ذلك خوفا من أن تدفعهم إلي.