ثم استمد عثمان أهل الأمصار وكتب إليهم يقول: وأدخلت في الشورى على ملأ منهم ومن الناس، على غير طلب مني ومحبة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف، فلما انتهت الأمور وانتكث
63
الشر بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره، بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها. ا.ه.
ثم خطب وتاب مما فعل على المنبر، فحصبوه فأغمي عليه وحمل إلى داره لا يعي، وتقاذفته العوامل، فمروان بن الحكم المتسلط عليه يؤنب الناس ويشتد عليهم، ويقول لجيوش الأمصار: «جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا! اخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسركم، ولا تحمدوا غب
64
رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن بمغلوبين على ما في أيدينا.» ونائلة امرأة عثمان تتدخل في الأمر، وعلي ينصح لعثمان فلا يسمع له حتى نفض يده منه.
والواقع أن بسط عثمان الأموال لذوي قرباه أو إرجاعه الحكم طريد الرسول، أو تعديه حمى المدينة، أو استعماله الأحداث من آله، كل هذا لا يتألف منه جرم، يستوجب هذا التأليب عليه، أو يبرر إطالة الأيدي بأذاه، ولكن الكتاب الذي وجده محمد بن أبي بكر في رحل عبد من عبيد عثمان على مقربة من المدينة، وفيه خاتم عثمان إلى عبد الله بن أبي سرح والي مصر، هو الذي كان العامل الأكبر والحجة القاطعة في الانحراف عنه، وفي هذا الكتاب «إذا جاءك محمد بن أبي بكر ومن معه بأنك معزول فلا تقبل واحتل له بقتلهم، وأبطل كتابهم وقر في عملك.» فرجع محمد بن أبي بكر وأصحابه وجمعوا الصحابة ووقفوهم على الكتاب، وسألوا عثمان عن ذلك فاعترف بالختم وخط كاتبه، وحلف بالله أنه لم يأمر بذلك، فطلبوا منه مروان ليسلمه إليهم فامتنع، فازداد حنق الناس ، حتى قتل شهيدا مظلوما، وفتق بمقتله على المسلمين «فتق لا يرتقه جبل»، ودافع عنه علي بن أبي طالب وأقام ابنه الحسن لذلك حتى خرج هذا مصبغا بالدم، وأقام الزبير ابنه عبد الله، وطلحة ابنه محمدا يذبان عنه، فلم يغنوا عنه شيئا مع الألوف الهائجة التي جاءت من مصر والكوفة والبصرة إلى المدينة وانضموا إلى الثائرين من أهلها، «وكانوا
65
يدا واحدة في الشر، وكان حثالة من الناس قد ضووا إليهم، وقد مرجت عهودهم وأماناتهم، وكان أصحاب النبي الذين خذلوه كرهوا الفتنة، وظنوا أن الأمر لا يبلغ قتله، فندموا على ما صنعوا في أمره، ولعمري لو قاموا أو قام بعضهم فحثا في وجوههم التراب لانصرفوا خاسرين.»
كانت هذه الفاجعة مبعث كل فتنة في الأمة، أدى إليها حب الولايات والشغف بالأموال التي كثرت في أيام عثمان، فكان يفيض منها على من يستحقها، وقد لاموه على استعمال ابن خاله عبد الله بن عامر فاتح خراسان وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان، وآخذوه على استعمال أخيه من الرضاع عبد الله بن أبي سرح فاتح طرابلس، وإفريقية الذي قضى على جيش الروم وقتل الملك جرجيره، وفي أيام عثمان فتحت أذربيجان وأرجان واصطخر وأصبهان وطبرستان وخراسان والجوزجان ونيسابور وطوس وسرخس ومرو وهراة وفرياب وبلخ وخوارزم والجبال، وقتل بخراسان يزدجرد آخر ملوك الأكاسرة، وفي أيامه فتحت جزيرة قبرص وغيرها من جزر البحر الرومي، واستصفيت بعض الحبشة إلى غير ذلك من فتوحاته التي استعمل فيها رجالا عظاما وضع ثقته بهم، وكانوا عند حسن ظنه بما أبلوه من خدمة الإسلام والمسلمين.
ومن أهم المسائل التي صرفت الوجوه عنه وألبت المغيظين المحنقين عليه، أمره بضرب عمار بن ياسر - أحد كبار الصحابة - لما جاءه يحمل إليه كتابا من بعض أصحاب النبي،