58
موفقا في غزواته، فتح إفريقية فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، وسهم الراجل ألف دينار، فماذا كان نصيب الأمير من هذا المال؟ لا جرم أنه شق الأمر على محمد بن أبي حذيفة وجماعة آخرين إن لم يكن لهم سهم كبير من هذه المغانم، وأنشأ ابن حذيفة هنا يكتب الكتب على ألسنة أزواج النبي ويقرؤها في المسجد، ويقوم القارئ بالكتاب، فيقول: إنا لنشكو إلى الله واليكم ما عمل في الإسلام، وما صنع في الإسلام، فيحرك ساكن النفوس بهذا، حتى أرسل المصريون بضع مئات من الجند إلى المدينة يشتركون في إحراج عثمان، وكذلك فعل أهل الكوفة والبصرة.
وقيل: إن بعض الصحابة
59
كتب بعضهم إلى بعض أن يقدموا المدينة إن كانوا يريدون الجهاد، وكثر الناس على الخليفة، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد «وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب» ما خلا نفرا قليلا، وكان عبد الله بن سبأ من اليهود أسلم زمن عثمان، وأخذ يتنقل في بلدان المسلمين الحجاز، ثم البصرة، ثم الكوفة، ثم الشام، ثم مصر، وهو يقول بالرجعة ويزعم أن محمدا يعود كعيسى إلى الأرض، وقال: إن عليا هو وصي محمد، وقال من أظلم ممن لم ينجز وصية رسول الله، ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة، وادعى أن عثمان أخذها بغير حق، وأراد الناس على النهوض في هذا الأمر، وقال: ابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر، فبث دعاته، وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه، ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، فانتقم هذا اليهودي لقومه عما أصابهم في الحجاز في بدء الدعوة الإسلامية.
لما اشتدت الحال بعثمان، وأخذت الجموع تسير إلى المدينة كتب إلى الأمصار «رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون وآخرين يضربون، فيا من ضرب سرا وشتم سرا، من ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم، فلنأخذ بحقه حيث كان، مني أو من عمالي، أو تصدقوا أن الله يجزي المتصدقين.» وتآمر عثمان وبعض الصحابة على ما كان من الناقمين، فناقشوه وناقشهم، ومما قال له عمرو بن العاص: إنك لنت لهم وتراخيت عنهم، وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبك، فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين، إن الشدة لا تنبغي لمن لا يألو الناس شرا، واللين لمن يخلف الناس بالنصح، ولما عاتبوه على بسط المال لآل بيته قال: «إن صاحبي اللذين كانا قبلي ظلما أنفسهما، ومن كان منهما بسبيل احتسابا، وإن رسول الله كان يعطي قرابته، وأنا في رهط أهل عيلة
60
وقلة معاش، فبسطت يدي في شيء من ذلك المال، لمكان ما أقوم به فيه، ورأيت أن ذلك لي، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه، فأمري لأمركم تبع.» وقال في مجلس آخر: «إني أحب أهل بيتي وأعطيهم، فأما حبي فإني لم أمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم، وأما إعطاؤهم فإن ما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة
61
من صلب مالي، أزمان رسول الله وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي، وفني عمري، وودعت الذي لي في أهلي، قال الملحدون ما قالوا، وإني والله ما حملت على مصر من الأمصار فضلا، فيجوز ذلك لمن قاله.»
ورد عليهم في كونه حمى حمى المدينة فقال: والله ما حميت إلا ما حمي قبلي على عهد عمر لإبل الصدقة، فلما وليت زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى، وما لي من بعير غير راحلتين وما لي ثاغية ولا راغية،
62
وإني قد وليت وإني أكثر العرب بعيرا وشاء، ورد على من قال: إنه رد الحكم وهو طريد رسول الله، فقال: «إن رسول الله سير الحكم، وهو مكي من مكة إلى الطائف ثم رده، فرسول الله سيره ورسول الله رده.» ورد على من قال: إنه استعمل الأحداث في الولايات، فقال: إنه لم يستعمل إلا محتملا مرضيا، وعليهم أن يسألوا أهل عملهم عنهم، ولقد ولى من قبله أحدث منهم، وقيل في ذلك لرسول الله أشد مما قيل له في استعماله أسامة.