51
أكثرهم فضلا وأكملهم شروطا، فسارع الناس إلى طاعته، وأمنت غوائل الفتنة، على نحو ما كان سارع عمر إلى مبايعة أبي بكر يوم السقيفة، وأكره من تجافوا عن بيعته من الصحابة على البيعة باللين أولا والشدة آخرا، وكان عمل عمر هذا من أحكم ما عمل، لم يلق الحبل على الغارب، واجتهد في خير الأمة حيا، وما أراد أن يدعها فوضى بعد مماته.
وعرفنا مما تم من استخلاف أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان أن الخلافة عن الرسول ليست من معالم الدين،
52
ولا هي جارية مجرى العبادات الشرعية كالصلاة والصوم؛ بل أجروها مجرى الأمور الدنيوية مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعية، وأن الخلافة عن الرسول قد وسدت إلى واحد بعهد أو شبه عهده، ووسدت إلى آخر بعهد صريح وإلى آخر بالشورى بين أهل الحل والعقد، فجمع الإسلام النظام الجمهوري المقيد، والنظام الملكي المقيد، على ما تقضي به حالة الزمن ومصلحة الأمة، وكان في هذه السلطة الروحية الزمنية معا لأول الأمر شيء من الاستبداد المعقول الذي ينظم أمر الجماعة، ويحمل الناس على الطاعة، وهي الطاعة لأولي الأمر - أي الأئمة المتأمرين على الناس - المقصود بقوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم .
عن ابن عباس قال: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه
53
الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا ورجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت فإذا هو علي بن أبي طالب فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن ليجعلك الله معهما؛ أي صاحبيك، ذلك أني كنت كثيرا أسمع من رسول الله يقول: فذهبت أنا وأبو بكر
54
وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأظن أن يجعلك الله معهما. وقال علي:
55 «ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم خيرها بعد أبي بكر عمر، ثم يجعل الله الخير حيث أحب.»
سياسة عثمان بن عفان
انتخب مجلس شورى الخلافة عثمان بن عفان خليفة في مسجد الرسول وعلى منبره، على الطريقة التي رسم عمر واستأمر بعض أهل الشورى أرباب الرأي من الرؤساء سرا، فأشاروا بعثمان إلا قليلا، وجعل الناس يبايعون الخليفة الجديد بعد أن بايع كبار الصحابة، وتلكأ علي عن البيعة، فقال عبد الرحمن بن عوف:
فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ، فرجع علي يشق الناس حتى بايع وهو يقول: «خدعة وأيما خدعة.» وسار الخليفة الثالث بسيرة أبي بكر وعمر ست سنين، كان الناس خلالها راضين عنه، والفتوح كما كانت على عهد عمر متصلة، والأموال على المدينة دارة، ويده بالعطاء مبسوطة، يولي الولايات من يراهم أصلح الناس للعمل، ولما توسع بتوسيد العمالات إلى أهله من بني أمية، انطلقت الألسن فيه، وتحقق خوف عمر لما نصح له، ولعلي ألا يحملا أقاربهما
56
على رقاب الناس، إذا كان لهما من الأمر شيء، فوقع كلاهما في هذا الحرج فثارت النفوس، ووجد الطاعنون من عملهما بابا يلجونه إلى اللغط والشغب، وعثمان بنى على
57
أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وهدى ورحمة وكرم، ولم يكن فيه قوة عمر ولا سياسته، ولا فيه كمال عدله وزهده، فطمع فيه بعض الطمع، ودخل بسبب أقاربه في الولايات والأموال أمور أنكرت عليه فتولد من رغبة الناس في الدنيا، وضعف خوفهم من الله، ومنه ومن ضعفه هو، وما حصل من أقاربه في الولاية والمال ما أوجب الفتنة.
بدأت الفتنة من مصر بانتزاء محمد بن أبي حذيفة ابن خال معاوية بن أبي سفيان على عثمان، وكان عثمان كفله لما مات أبو حذيفة، وسار إلى مصر فصار من أشد الناس تأليبا على عثمان، والسبب في ذلك على ما يظهر أن عبد الله بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة، كان أمير مصر ولاية عثمان كلها، وكان محمودا في ولايته،