لما طعن عمر بيد أبي لؤلؤة، وكان قتله نتيجة مؤامرة
48
دبرها له الهرمزان؛ لما كان يكنه من الحقد على العرب بعد أن ثلوا عرش فارس - كانت الخلافة أول ما فكر فيه عمر، ودمه يسيل، فاستدعى عبد الرحمن بن عوف
49
فقال له: إني أريد أن أعهد إليك، فقال: يا أمير المؤمنين، نعم إن أشرت علي قبلت منك، قال: وما تريد، قال: أنشدك الله أتشير علي بذلك، قال: اللهم لا، قال: والله لا أدخل فيه أبدا، قال: فهب لي صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، أدع لي عليا وعثمان والزبير وسعدا، قال: وانتظروا أخاكم طلحة ثلاثا - وكان متغيبا عن المدينة - فإن جاء وإلا فاقضوا أمركم بينكم، وقال لعلي: أنشدك الله يا علي إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني هاشم على رقاب الناس، أنشدك الله يا عثمان إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل بني أبي معيط على رقاب الناس، أنشدك الله يا سعد إن وليت من أمور الناس شيئا أن تحمل أقاربك على رقاب الناس، قوموا فتشاوروا، ثم اقضوا أمركم، وليصل بالناس صهيب، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري قبل أن يفارق الحياة بساعة، فقال: قم على بابهم في خمسين رجلا من الأنصار، فلا تدع أحدا يدخل إليهم حتى يختاروا رجلا منهم، وقال أوصي الخليفة من بعدي بالعرب فإنها مادة الإسلام، أن يؤخذ من صدقاتها حقها فتوضع في فقرائهم، وأوصي الخليفة من بعدي بذمة رسول الله أن يوفي لهم بعهدهم، اللهم هل بلغت، تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة.
وقيل لعمر لما طعن يا أمير المؤمنين لو استخلفت، قال: من أستخلف لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة، لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله، فقال له رجل: أدلك على عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، والله ما أردت بهذا خيرا، ويحك كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته، لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فقد صرف عنا، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد ويسأل عن أمر أمة محمد، أما لقد جهدت نفسي وحرمت أهلي، وإن نجوت كفافا لا وزر ولا أجر إني لسعيد، انظر فإن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه.
ترك عمر الأمر شورى بين ستة من كبار الصحابة، مات الرسول وهو عنهم راض، وسمى علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ابني عبد مناف، والزبير بن العوام حواري رسول الله وابن عمته، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وطلحة الخير بن عبيد الله، ليختاروا منهم رجلا، وقال لهم إذا ولوا واليا أن يحسنوا موازرته ويعينوه إن ائتمن أحدا منهم يؤدي إليه أمانته. وبدأت الشورى ثلاثة أيام وأراد أهلها ألا يأتين اليوم الرابع إلا وعليهم أمير منهم، وقال عمر للمقدار بن الأسود، قم على رءوسهم فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه، أو اضرب رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم، وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم، فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين أن يرغبوا عما اجتمع عليه الناس.
صورة غريبة من انتخاب الخليفة وضعها عمر على غير مثال، مثل كثير من أعماله في السياسة، وفيها إبداع وعبقرية، أوحتها إليه معرفته بمرامي كل واحد من هؤلاء العظماء، وهو يتخوف انحلال أمر الأمة إذا دب دبيب الحسد إلى الصدور، وتحركت الضغائن والسخائم،
50
وهو القائل: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها، واللين الذي لا وهن فيه ، ويعرف أن غير الشدة لا تفيد في هذه المواقف الخطيرة، قدموا للبيعة