38
سيوفه آيات النصر المبين، وسر هذا التوفيق العظيم، بعد نظره وقوة نفسه، والأخذ بمشورة أهل الرأي، وحسن اختياره العمال والرجال، والعمل بكل نافع، والانتفاع من كل قوة، وما طمعت نفسه في شيء من حطام الدنيا، فكان كصاحبيه يؤثر الخشونة
39
ويبتعد عن كل ترف، ويريد عماله أن يتبعوه في سائر أفعاله وشيمه وأخلاقه، يلبس الجبة الصوف المرقعة بالأديم وغيره، ويشتمل بالعباءة، ويحمل القربة على كتفه، مع هيبة رزقها، وكذلك كان عماله مع ما فتح الله عليه من البلاد وأوسعهم من الأموال، كان عمر يلتف في كسائه
40
وينام في ناحية المسجد، فلما ورد بالهرمزان صاحب تستر جعلوا يسألون عنه فيقال: مر ههنا آنفا، فيصغر في قلب الهرمزان إذ رآه كبعض السوقة، حتى انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد، فقال الهرمزان: هذا والله الملك الهنيء، يقول لا يحتاج إلى حراس وعدد، فلما جلس عمر امتلأ قلب العلج
41
منه هيبة؛ لما رأى عنده من الجد والاجتهاد، وألبس من هيبة التقوى.
ولقد كان علي بن أبي طالب من جملة مجلس شورى عمر، شاوره مرة في غزو الروم بنفسه فقال له: إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم فتنكب، لا تكن للمسلمين كانفة
42
دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث رجلا محربا،
43
واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهره الله فذاك ما تحب، وإن كانت الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين،
44
واستشار عليا أيضا في الشخوص لقتال الفرس بنفسه،
45
فقال له: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا بقلة، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا، والعرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام، عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض، انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك، إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين، فإن الله - سبحانه - هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره. ا.ه. وهكذا كان عمر لم يحارب بنفسه في حروب الفتح وهو خليفة؛ وقل أن اشترك في الغزوات في زمن الرسول.
سمع عمر مرة شيئا في بيعة الصديق وهو في مكة، وأراد أن يخطب الناس، فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين لا تفعل؛ فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حتى تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها أولئك عنك كل مطير،
46
وألا يعوها، وألا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص
47
بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، وكذلك فعل وعمل بنصيحة قارون هذه الأمة عبد الرحمن بن عوف كما عمل بنصيحة علي بن أبي طالب.
كان عمر لا يأخذه هوى في اختيار الأصلح لخدمة الدولة، وهو جد عارف بما في نفوس الناس، يضع الأشياء مواضعها ويقدرها بقدرها، قام في المسجد ذات يوم يدعو الناس إلى الجهاد ويحضهم عليه، وقال: إنكم قد أصبحتم في غير دار مقام بالحجاز، وقد فتح الله عليكم بلاد كسرى وقيصر، فسيروا إلى أرض فارس، فقام أبو عبيد بن مسعود فقال: يا أمير المؤمنين، أنا أول من انتدبت من الناس، فلما انتدب أبو عبيد انتدب الناس. وقيل لعمر أمر على الناس رجلا من المهاجرين والأنصار، فقال لا أأمر عليهم إلا أول من انتدب. وكان عمر أبدا على يقين من الخفي والجلي مما يدور في القاصية والدانية، ملء القلب وملء السمع، وما شئت من دهاء واستماتة في إحكام عرا المسلمين، أطلق عليه لقب أمير المؤمنين، وكان أول من لقب به، وكان يقال لأبي بكر - خليفة رسول الله - فلما ولي عمر أصبح من المتعذر أن يقال يا خليفة خليفة رسول الله، فاكتفى بلفظ الخليفة أو أمير المؤمنين.