تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذربي،

35

كما يألم أحدكم أن ينام على حسك السعدان.»

36

بيد أن ما ظهر من غناء أبي بكر وحسن بلائه، ألجم الألسن فما استطاعت أن تغلظ، وكبح من جماح النفوس، فما استرسلت في تطلب ما تطال إليه، وكأن بني هاشم يئسوا من أن يستخلف سيدهم، بعد الذي كان من أبي بكر وعهده لابن الخطاب، وهم يعرفون منزلة الثاني من نفوس من تجردوا عن الغايات، ولا مصلحة لهم غير قيام أمر المسلمين، والسير في الطريق التي اختطها صاحب هذا الشرع، ورأى الصديق أن عمر أقوى عليها، ولو كانت - كما قال علي بن أبي طالب - محاباة لآثر بها ولده، واستشار المسلمين في عمر، فمنهم من رضي ومنهم من كره، ومن كره أولا رضي آخرا.

كان أول منطق نطق به ابن الخطاب حين استخلف: «إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتباع قائده، فلينظر قائده حيث يقود، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق.» ولما فرغ عمر من دفن أبي بكر نفض يده عن تراب قبره، ثم قام خطيبا مكانه فقال: إن الله ابتلاكم بي وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبي، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيب عني فآلو فيه عن الجزاء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلن بهم. قالوا فوالله ما زاد على ذلك حتى فارق الدنيا، وقال: اللهم إني شديد فليني، وإني ضعيف فقوني، وإني بخيل فسخني.

فتح عمر «الفتوح العظام في كل بلد»، ومن فتوحه مصر والشام والعراق والجزيرة وإرمينية وفارس وخوزستان وأذربيجان والجبال وطرابلس مما لم يفتح مثله على أحد قبله ولا بعده، وما طاش له سهم، ولا التوى له علم، يحرص على حياة المسلمين، ويولي جيوشه رجالا من أهل الفقه والعلم. كتب إلى النعمان بن مقرن في نهاوند: «أما بعد، فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله، وبمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم، ولا تمنعهم حقهم فتنفرهم، ولا تدخلنهم غيضة، فإن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار.» وكان إذا أتاه نعي أحد قواده وأصحابه بكى، ولو كان جاءته الأخبار مع قتلهم بفتح بلاد عظيمة.

وهدي عمر هدي صاحبيه، ولسانه لسانهما، قال لسلمة الأشجعي لما أرسله إلى الأكراد: «سر

37

باسم الله، قاتل في سبيل الله، من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين، فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة، وليس لهم في فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم، فلهم مثل الذي لكم، وعليهم مثل الذي عليكم، فإن أبوا فادعوهم إلى الخراج، ولا تكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم، فإن الله ناصركم عليهم، فإن تحصنوا منكم في حصن، فسألوكم أن تنزلوا على حكم الله وحكم رسوله، فلا تنزلوهم على حكم الله، فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله، فلا تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله، وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. ا.ه.»

ارتضى بعمر أهل الحل والعقد من الصحابة ومنهم علي، لما كان من أعماله التي ابتهجت بها النفوس، وهو القائل ما أبالي إذا ما اختصم إلي رجلان لأيهما كان الحق، وهو القائل مضى لي صاحبان، عملا عملا وسلكا طريقا، وإني إن عملت بغير عملهما، سلك بي طريق غير طريقهما، وهو الذي قال فيه الرسول: لو كان بعدي نبي لكان عمر، وقال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وقال: أشد أمتي في أمر الله عمر، وقال فيه بعض واصفيه: إنه كان جوادا بالحق بخيلا بالباطل.

كانت كلمة عمر عالية في سياسته الخارجية والداخلية، مزق شمل المملكتين المجاورتين لبلاده، وعقدت في ظبات

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣١٣