26
الله أبا بكر، كنت إلف رسول الله وأنيسه، ومستراحه وثقته، وموضع سره ومشاورته، كنت أول القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا وأشدهم يقينا، وأخوفهم لله، وأعظمهم غناء في دين الله، وأحوطهم على رسوله، وأحدبهم على الإسلام، وآمنهم على أصحابه، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب، وأفلهم سوابق، وأرفعهم درجة وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسوله هديا وسمتا، ورحمة وفضلا، وأشرفهم منزلة، وأكرمهم عليه وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله خيرا، كنت عنده بمنزلة السمع والبصر،
27
وصدقت رسول الله حين كذبه الناس، فسماك الله في تنزيله صديقا، والذي جاء بالصدق - محمد - وصدق به - أبو بكر - وآسيته حين تخلوا عنه، وقمت بالأمر ما لم يقم به خليفة نبي، نهضت حين وهن أصحابه، وبرزت حين استكانوا، وقويت حين ضعفوا، لزمت منهاج رسول الله، وقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت إذا تتعتعوا، مضيت بنور إذ وقفوا، كنت والله للدين يعسوبا،
28
أولا حين نفر عنه الناس، وآخرا حين أقبلوا، فكنت للمؤمنين أبا رحيما حين صاروا عليك عيالا، فحملت أثقال ما ضعفوا عنه، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا، وكنت كما قال رسول الله آمن عليه في صحبتك وذات يدك، وكنت - كما قال - ضعيفا في بدنك، قويا في أمر دينك، متواضعا في نفسك، عظيما عند الله، جليلا في أعين المؤمنين، كبيرا في أنفسهم، لم يكن لأحد فيك مغمز، ولا لقائل فيك ملمز، ولا لأحد فيك مطمع، ولا لمخلوق عندك هواه، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتى تأخذ له بحقه، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، الغريب والبعيد عندك في ذلك سواء ... فوالله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبدا، فألحقك الله بنبيه ولا حرمنا أجرك، ولا أضلنا بعدك، وسكت الناس حتى انقضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: صدقت يا ختن رسول الله.
سياسة عمر بن الخطاب
عقد أبو بكر عقد الخلافة من بعده لعمر بن الخطاب، وقد شاور فيه أصحابه من كبار رجال السياسة، وممن شاورهم عبد الرحمن بن عوف، فقال له: هو والله أفضل من رأيك فيه،
29
ولكن فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه، ويا أبا محمد قد رمقته
30
فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه، واشتد المرض بالصديق فأشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وكتب إليه كتابا هذا نصه:
هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، وفي الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل، فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن جار وبدل، فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب:
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
ودعا أبو بكر عمر
31
فأوصاه بما أوصاه به، ثم خرج فرفع أبو بكر يديه، ثم قال: اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، فعملت فيهم بما أنت أعلم به، فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضرني فاخلفني فيهم فهم عبادك، ونواصيهم في يدك، وأصلح لهم واليهم، واجعله من خلفائك الراشدين، يتبع هدي نبي الرحمة، وأصلح له رعيته.
ولم يخل استخلاف الصديق عمر من حديث بين من كانت أنفسهم تحدثهم بالخلافة بعده، قال أبو بكر لعبد الرحمن بن عوف: «إني
32
وليت أمركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم
33
أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا أقبلت ولما تقبل وهي مقبلة، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد