أخذت العرب بعد ذلك تضيف إلى ما تعلمته من صاحب النبوة، ما هدتها إليه فطرتها السليمة، ولقنها إياه المحيط والبيئة، وأي سياسة أحكم مما قاله أبو بكر وهو يشيع يزيد بن أبي سفيان لفتح الشام يوصيه بما يجب عمله، وإذا قدم عليك رسل عدوك فأكرم مثواهم، فإنه أول خيرك إليهم، وأقلل حبسهم حتى يخرجوا وهم جاهلون بما عندك، وامنع من قبلك من محادثتهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، وإذا بلغتك عن عدوك عورة فاكتمها حتى توافيها، واستر في عسكرك الأخبار وأذك الحراس، وقال: إنك ستجد قوما حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما حبسوا أنفسهم له يعني الرهبان، ثم قال إني موصيك بعشر: لا تغدر ولا تمثل، ولا تقتل هرما ولا امرأة ولا وليدا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا ما أكلتم، ولا تحرقن نخلا ولا تخربن عامرا، ولا تغل ولا تجبن.
ومن خطب أبي بكر «إنكم اليوم على خلافة نبوة ومفرق محجة، وسترون بعدي ملكا
23
عضوضا، وأمة شعاعا، ودما مفاحا، فإن كانت للباطل نزوة، ولأهل الحق جولة، يعفو لها الأثر وتموت السنن، فالزموا المساجد، واستشيروا القرآن، والزموا الجماعة، وليكن الإبرام بعد التشاور، والصفقة بعد طول التناظر.» كأن أبا بكر كان يستشعر ببصيرته على نحو ما يكشف السياسي المحنك، حجب الغيب أو يكاد، أن الخلافة تنقلب إلى ملك عضوض لما يرى مما يجري في الخلفاء، ولما يبيت بعضهم من نيات تراد الدنيا في تحقيقها أكثر من الأخرى.
وخطب يوما أهل المدينة في يوم جمعة، وكان يبلغه عن قوم من أهلها أنهم ينالون من أصحاب الرسول، ويوافقهم آخرون على ذلك، فأمر أهل البيوتات ووجوه الناس أن يقربوا من المنبر فلما فرغ من خطبة الجمعة كان مما قال: «ويحكم، إني لست أتاويا
24
أعلم، ولا بدويا أفهم، قد حلبتكم أشطرا، وقلبتكم أبطنا وأظهرا، فعرفت أنحاءكم وأهواءكم، وعلمت أن قوما أظهروا الإسلام بألسنتهم، وأسروا الكفر في قلوبهم، فضربوا بعض أصحاب رسول الله ببعض، وولدوا الروايات فيهم، وضربوا الأمثال، ووجدوا على ذلك من أهل الجهل من أبنائهم أعوانا يأذنون لهم ويصغون إليهم.»
ضبط أبو بكر الأمور بيد من حديد، ولم يترك في خلافته سبيلا إلى الشهوات وخصوصا ما أدى منها إلى الفرقة، وكان لا ينعم بشيء من مناعم الملك، بل هو في الزهد والتواضع والنسك على مثال صاحبه. رؤي
25
يوما في سوق من أسواق المدينة على كتفه جلد شاة، ففزعت عشيرته لذلك، وقالوا له: قد فضحتنا بين المهاجرين والأنصار والعرب، قال: «أفأردتم مني أن أكون ملكا جبارا في الجاهلية جبارا في الإسلام، لا والله لا تكون طاعة العرب إلا بالتواضع لله، والزهد في هذه الدنيا.» وتواضعت الملوك ومن ورد عليه من الوفود بعد التكبر، وقدم إليه زعماء العرب وأشرافها وملوك اليمن، وعليهم الحلل والحبر والبرد، والوشى المثقل بالذهب والتيجان، فلما شاهدوا ما هو فيه من اللباس والزهد، وما هو عليه من الوقار والهيبة، ذهبوا مذهبه ونزعوا ما كان عليهم، وكان ممن وفد عليه من ملوك اليمن ذو الكلاع ملك حمير ومعه ألف عبد، دون من كان من عشيرته، وعليه التاج والبرود المغشاة بالذهب، فلما شاهد أبا بكر ألقى ما كان عليه وتزيا بزيه.
كان الصديق موضع إجلال، بكل ما في الإجلال من المعاني، ما خرج إنسان عن رضاه، وما جسر أحد أن يجهر بذات نفسه، وأي عاقل يجرؤ على الخلاف لمن كان جمهور المسلمين يعجبون بسيرته، وكان كل هذا من العوامل الفعالة في تطبيق مفاصل سياسته، وسر تغلبها أنه لم يكن له مأرب في شيء من أمر الدنيا، ولا أحب جلب النفع إلى ولده وأهله ومواليه وعشيرته دون سائر الناس، وعرفت منزلة الصديق من نفوس قومه يوم قبض، فارتجت المدينة بالبكاء كيوم قبض النبي، وجاء علي باكيا مسترجعا وهو يقول: اليوم انقطعت خلافة النبوة، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر مسجى، فقال: يرحمك