تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

كلهم أن يلزم أبو بكر بيته ومسجده؛ إذ لا طاقة له بقتال العرب، فقال أبو بكر: أإن كثر أعداؤكم وقل عددكم ركب الشيطان منكم هذا المركب، والله ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها، ولو كره المشركون، قوله الحق ووعده الحق، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق،

19

وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، والله أيها الناس لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في الله حق جهاده، حتى أبلى بنفسي عذرا أو أقتل قتلا، والله أيها الناس لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه، واستعنت الله وهو خير معين، وعلى هذا جاهد حتى أذعنت العرب بالحق.

استبد الصديق برأيه في دفع هذه الغائلة، وأبى إلا قتال المرتدين والمتنبئين، فكان رأيه مسددا دون سائر إخوانه، وأثبت للملأ أنه خير من يجمع كلمة المسلمين، بما أوتي من نفس قوية وصبر، وعلم محكم بأفضل التجارب، فلم يترك بشدته على أهل الردة، والكذبة من متنبئة العرب، مجالا لتسرب الضعف إلى نفوس المسلمين، وذهب وهو رجل الحرب والسلم، بهذه المفخرة من قتال النازلين على الدولة الفتية والدين الجديد، فعد رجل البأس والدهاء السياسي، كما هو رجل الرحمة واللين، لم يتلكأ عن مباغتة المرتدين ومناجزتهم قبل أن يأخذوا عدتهم، وينشروا بين الناس دعوتهم، فكان عمله كله الحكمة وبها قام الإسلام.

كتب أبو بكر لأمرائه الذين وجههم لقتال أهل الردة ما نسخته: هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله لفلان، بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام، عهد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله سره وجهره، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان، بعد أن يعذر

20

إليهم فيدعوهم بدعاية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له، ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، ولا ينظرهم، ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله - عز وجل - وأقر له، قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله، فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسر به، ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل، حيث كان وحيث بلغ مراغمه،

21

لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام، فمن أجابه وأقر به قبل منه وعلمه، ومن أبى قاتله فإن أظهره الله عليه قتل فيه كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسم ما أفاء الله إلا الخمس فإنه مبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين، ويرفق بهم في السير والمنزل، ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول. ا.ه.

ومن وصايا الصديق ليزيد بن أبي سفيان لما أرسله إلى الشام «إذا دخلت بلاد العدو فكن بعيدا من الحملة، فإني لا آمن عليك الجولة، واستظهر بالزاد وسر بالأدلاء ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه، واحترس من البيان فإن في العرب غرة،

22

واقلل الكلام فإن لك ما وعى عنك، وإذا أتاك كتابي فأنفذه، فإنما أعمل على حسب إنفاذه، وإذا قدمت عليك وفود العجم فأنزلهم معظم عسكرك وأسبغ عليهم النفقة، وامنع الناس عن محادثتهم ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين، ولا تلحن في عقوبة فإن أدناها وجع، ولا تسرعن إليها وأنت تكتفي بغيرها، واقبل من الناس علانيتهم، وكلهم إلى الله في سرائرهم، ولا تجسس عسكرك فتفضحه، ولا تهمله فتفسده.» وفي رواية أنه قال ذلك لخالد بن الوليد حين وجهه لقتال أهل الردة.

مثال من منهاج الصديق في محاربة الناشزين على دينه، وهو لم يخرج في مدته القصيرة التي ولي فيها الخلافة عن الخطة التي رسمها الرسول، قضى على المرتدين والمتنبئين، وما سها عن التوسع في الفتوح، وبسط سلطان الإسلام، وكانت حروب الردة من أول ما علم العرب أن الانشقاق الداخلي مما يقوض دعائم الممالك، ويقصم عرا الوحدة في الأمم، وقدر أن كانت هذه الغزوات بمثابة تمرين لرجال الإسلام على الحروب الكبرى، وفيها ظهرت لهم كفاءات غريبة ساعدتهم على الفتوح بعد حين، فدكوا عروش أمم تسلسل فيها الملك قرونا، وعرفوا كيف يأخذون بمخنق الشعوب والقبائل.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣١٠