تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وأن الرسول لم يخص بها أهل بيته ولا بني هاشم، حتى لا يتخيل الناس أنه ملك متوارث، «وإذا كان

11

جعفر أفضل بني هاشم بعد علي في حياته، ثم مع هذا أمر النبي زيد بن حارثة وهو من بني كلب عليه، علم أن التقدم بفضيلة الإيمان والتقوى، وبحسب أمور أخرى، وبحسب المصلحة لا النسب، ولهذا قدم النبي أبا بكر وعمر على أقاربه؛ لأنه رسول الله، يأمر بأمر الله، وليس من الملوك الذين يقدمون بأهوائهم لأقاربهم ومواليهم وأصدقائهم، وكذلك كان أبو بكر وعمر، حتى قال عمر: من أمر رجلا لقرابة أو صداقة بينهما وهو يجد في المسلمين خيرا منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين.»

قال زيد بن علي: إن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها، وقاعدة دينية راعوها، من تسكين ثائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامة، فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا، وسيف أمير المؤمنين - عليه السلام - من دماء المشركين من قريش لم يجف بعد، والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كما هي، فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل، ولا الرقاب تنقاد له كل الانقياد، وكانت المصلحة أن يكون القيام بهذا الشأن لمن عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن، والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله.

وقال أبو بكر للعباس: إن الرسول خلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين لا مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، ولأمورهم راعيا، وخرج أبو بكر إلى المسجد، فأقبل على الناس فقام علي فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى فبايعه فأقبل الناس على علي فقالوا: أصبت يا أبا الحسن وأحسنت، يقول المسعودي:

12

إنه تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب أبا بكر، فمنهم من قال بعد موت فاطمة بعشرة أيام، وذلك بعد وفاة رسول الله بنيف وسبعين يوما، وقيل بثلاثة أشهر، وقيل ستة، وقيل غير ذلك.

أما سعد بن عبادة الذي بايعه قومه أو كادوا بالخلافة في سقيفة بني ساعدة قبل أن يشهدها أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقد بطلت بيعته بإجماع الناس على أبي بكر، وقال: لا أبايع حتى أراميكم بما في كنانتي،

13

وأقاتلكم بمن تبعني من قومي وعشيرتي، فترك وشأنه لم يعرض له أحد بسوء، وكان سعد يدعو «اللهم هب لي حمدا، وهب لي مجدا.» وكان من أجواد الناس وأصحاب الجاه العريض والوفر المأثور، سمع عمر بعضهم يقول: إن بيعة أبي بكر فلتة فتمت، فغضب عمر وخطب فيما جرى يوم السقيفة فقال: خشينا

14

إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما أن نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.

15

والحق إن الخير كل الخير كان في الإسراع ببيعة أبي بكر، وفي حرض أبي بكر وعمر على أن تكون بيعة عامة لا يفلت منها من كان له مكانة في الصحابة؛ وذلك لأن عقلاء القوم كانوا يتخوفون العرب، والجزيرة لم تصف كلها بالإسلام صفاء يركن إليه، وارتد أكثر العرب عقبى وفاة الرسول

16

إلا أهل المدينة ومكة والطائف، وحاول بعض أهل مكة أن يرتدوا، فقام سهيل بن عمرو على باب الكعبة وصاح بقريش وغيرهم، فاجتمعوا إليه فقال: يا أهل مكة، كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتد، والله ليتمن هذا الأمر كما قال رسول الله، فامتنع أهل مكة من الردة، وسهيل بن عمرو، هذا هو أخو عامر بن لؤي الذي تولى عقد الصلح عن قريش عشر سنين، وأبى على الرسول أن يكتب في العهد «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، اكتب اسمك واسم أبيك، فقبل الرسول هذا التحكم على مضض ممن كان شاهد ذلك من الصحابة.

بعد استخلاف أبي بكر

17

بعشرة أيام، امتنعت بعض قبائل العرب من أداء الزكاة، فمنعت شاتها وبعيرها وارتضوا بالصلاة، ولما كانت الزكاة من دعائم الإسلام، رأى أبو بكر أن الممتنع عن أدائها مرتد، ومن أنكر بعضا قد يبلغ به الحال أن ينكر أكثر من ذلك، واستشار أبو بكر الصحابة، فأجمع رأيهم

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٠٩