وأقام أبو بكر بعد البيعة ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم ويقول: قد أقلتكم في بيعتي هذه، هل من كاره، هل من مبغض؟ وخطب القوم ومما قال: وايم الله ما حرصت عليها - أي الخلافة - ليلا ولا نهارا، ولا سألتها الله قط في سر ولا علانية، ولقد قلدت أمرا عظيما ما لي به طاقة ولا يد، وودت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني، فأطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم.
وأنكرت فاطمة ابنة الرسول وزوج علي بن أبي طالب حرمان زوجها الخلافة، ومنزلتها ومنزلة زوجها منزلتهما، فاستأذن أبو بكر وعمر عليهما فلم تأذن،
2
فأدخلهما علي عليها، فقالت: تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمروا ولم تردوا لنا حقا، فحاوراها فما زادت إلا غضبا، وقالت: لئن لقيت النبي لأشكونكما إليه، وقالت لأبي بكر: لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها، فخرج أبو بكر باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي، قالوا: يا خليفة رسول الله، إن هذا الأمر لا يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين، فقال: والله لولا ذلك، وما أخافه من رخاوة هذه العروة، ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة، بعد ما سمعت
3
ورأيت من فاطمة.
وقال أبو بكر لعلي:
4 «والله لقد سألت رسول الله عن هذا الأمر فقال لي: يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش
5
عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يشمخ إليه، وهو لمن يقال له هو لك، لا لمن يقول هو لي، والله لقد شاورني رسول الله في الصهر، فذكر فتيانا من قريش، فقلت له: أين أنت من علي فقال: إني لأكره لفاطمة ميعة
6
شبابه وحداثة سنه، فقلت له: متى كنفته يدك، ورعته عينك، حفت بهما البركة، وسبغت عليهما النعمة، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك حوجاء ولا لوجاء،
7
فقلت ما قلت، وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت لك إذ ذاك خيرا منك الآن لي، ولئن عرض بك رسول الله في هذا الأمر، فلم يكن معرضا عن غيرك، وإن قال فيك فما سكت عن سواك.»
وسواء أصحت هذه الرواية أم لم تصح، وليس ثمة ما يمنع من صحتها؛ لأن معناها تدل عليه الظواهر والوقائع، فقد ثبت أن عليا كان له وجه عند الناس حياة فاطمة،
8
فلما ماتت لخمس وسبعين ليلة من وفاة أبيها، انصرفت وجوه الناس عنه، فعندها ضرع زوجها إلى مصالحة أبي بكر، وقال له: ما نفسنا عليك ما ساقه الله إليك من فضل وخير، ولكنا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئا، فاستبددت به دوننا وما ننكر فضلك، وقالوا: إن مما قاله أبو عبيدة لعلي: يا ابن عم
9
إنك حدث السن، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعا، فسلم لأبي بكر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء، فأنت بهذا الأمر خليق وحقيق، في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك.
وبديهي أن الصحابة بأسرهم كانوا يحرصون على الجماعة، كما كانوا كلمة واحدة في نصرة الدين، ومثل علي بعقله وعلمه وتقواه لا تحدثه نفسه أن يسير على غير الجادة، بعد أن شاهد الإجماع على مبايعة أبي بكر، فراعى الأمر الواقع، ورأى الخير فيما تم، والسياسة مصلحة، وأكفأ الصحابة لها أبو بكر، وبهذا الإجماع من أهل الحل والعقد وعلية الصحابة، ممن مات رسول الله وهو عنهم راض، وكانوا السابقين الأولين إلى هدايته، ثبت أن الرسول لم يوص لأحد بعده، وليس في القرآن إشارة إلى استحقاق الخلافة بالإرث، بل ولا للخلافة بالمعنى الذي عرفه الناس بعد، ولو كان هناك شيء لما وسع الصحابة، على منزلة الصديق منهم أن يبايعوه، ويغفلوا عن علي، ويتركوا وصية الرسول جانبا، وهناك أمور أدركها الصحابة بالبداهة، منها تقديم أبي بكر للصلاة؛ لأنه حب الرسول وصاحبه الأكبر، وعطفه عليه ظاهر، وثقته به لا تدفع، وأدركوا أن الخلافة لعامة قريش،