ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا .
ثم إن العرب ذلوا زمنا طويلا لفارس والروم، وآن لهم بعد أن اعتزوا بالإسلام أن يخرجوا من صحاريهم داعين لما تلقوه من آداب الدين، آخذين بحظ من الدنيا، ومن قبل كانت تجارتهم مسارقة ومغامرة، تشتد حاجتهم إلى جيرانهم، وهؤلاء قلما يحتاجون إليهم، ويتطلبون رضا من ينزلون عليهم، وهؤلاء لا يعبأون بهم كثيرا، وكيف السبيل إلى الاستمتاع بالكرامة والأمنة إذا فقدت القوة المادية، وكيف تؤمن الطرق إلى انتشار الدين إن لم تكن وراءها قوة تحميها، وعلم يرفرف على دعاتها.
ولأحمد شوقي مخاطبا الرسول في جهاده:
قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا
لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
جهل وتضليل أحلام وسفسطة
فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
لما أتى لك عفوا كل ذي حسب
تكفل السيف بالجهال والعمم
58
والشر إن تلقه بالخير ضقت به
ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم
سل المسيحية الغراء كم شربت
بالصاب من شهوات الظالم الغلم
59
طريدة الشرك يؤذيها ويوسعها
في كل حين قتالا ساطع الحدم
60
لولا حماة لها هبوا لنصرتها
بالسيف ما انتفعت بالرفق والرحم
61
| سياسة الخلفاء الراشدين
سياسة أبي بكر الصديق
لحق الرسول بربه بعد أن دعا إليه ثلاث عشرة سنة في مكة، وعشر سنين في المدينة، فعرت الصحابة دهشة عظيمة لوفاته، حتى إن عمر نفسه قال يوم ارتحال النبي، ما مات محمد رسول الله وليبعثنه الله تعالى، فقال أبو بكر: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا قوله تعالى:
إنك ميت وإنهم ميتون .
وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ، فنفخ الصديق في قلوب أصحابه روح الصبر، وأنقذهم بما ذكرهم به من الجزع، وأرشدهم إلى ما كانوا غفلوا عنه، من أن دعوتهم إلى الله وشرعه وتوحيده، وأن صاحب هذا الشرع كان بشيرا ونذيرا وبشرا رسولا، إذا قضى فإن شرعه لن يموت، وأن الواجب أن يعملوا كلهم جميعا لإتمام مقصده الأعلى.
وكان لزاما بعد وفاة الشارع أن يبايع لأعظم رجل من أصحابه، يتولى من أمر الأمة ما تولاه رسولها منه، لتظل الدعوة مستحكمة، والألفة بين المؤمنين شائعة، ويكمل هذا الصرح الديني الذي أسسه صاحبه العظيم لسلامة الخلق، وليس أفضل من أبي بكر لإتمام هذا الغرض، وهو شيخ قريش بسنه وفضله وحسن بلائه، وهو أعرف الصحابة بمقاصد صاحب الرسالة لطول ملابسته له؛ ولأن الرسول لما مرض مرضته التي توفي بها، قال لمن حضره غيره مرة: مروا أبا بكر فليصل بالناس، وإن تفضيله له على غيره دليل ثقته به.
اجتمع الناس غداة ارتحال الرسول في سقيفة بني ساعدة برياسة سيد الخزرج سعد بن عبادة، فأذعنت الأنصار لبيعته، وقال المهاجرون
1
الأئمة من قريش، وطال الحوار فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، وقال المهاجرون: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، وكان شاهد هذه المحاورة أبو بكر وعمر، وكان عمر هيأ كلاما يريد أن يقوله فانقطع، وتقدم أبو بكر فخطب وقال: «نحن المهاجرون أول الناس إسلاما والناس لنا تبع، ونحن عشيرة رسول الله، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة، وأنتم والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا في الدين ووزراء رسول الله، وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى، وشركاؤنا في دين الله - عز وجل - وفيما كنا فيه من سراء وضراء، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه.» ودعاهم إلى مبايعة أبي عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب، فقال عمر وأبو عبيدة ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك يا أبا بكر، أنت صاحب الغار ثاني اثنين، وأمرك رسول الله بالصلاة، فأنت أحق بهذا الأمر، وطالت مرادات المؤتمرين من زعماء الأنصار والمهاجرين، ثم قام أبو بكر يدعوهم إلى الجماعة وينهاهم عن الفرقة، وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين أبي عبيدة وعمر، فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أقدمنا صحبة لرسول الله، وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك، ويتولى هذا الأمر عليك، ابسط يدك أبايعك فبايعوه، ومن الغد بويع مبايعة عامة في المسجد، ولم يتخلف عن بيعته سوى علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وسعد بن عبادة، وقعد علي والعباس والزبير في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيتها، وقال له: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم النار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطاب جئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة، وحرص عمر كل الحرص على أخذ البيعة من علي لأبي بكر؛ لأن عليا أحد العشرة المبشرة، وما عبأ كثيرا بتخلف سعد عن البيعة، وبايع بنو هاشم بأجمعهم.