تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم قالوا له: إن لنا بالعمارة والقيام على النخل علما فأقرنا فأقرهم، وساقاهم على النصف من ثمارهم، وبنو قينقاع نزلوا على حكمه فغنم أموالهم، وأخذ الخمس وهو أول خمس خمسه،

55

وفرق أربعة الأخماس على أصحابه، وبنو المصطلق كان حكمهم حكم غيرهم، وفتح وادي القرى وأخذ المسلمون أرضهم؛ لامتناعهم عن قبول الإسلام وقتالهم له، فما كان الرسول هو الظالم لليهود، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.

ومن اليهود من ألقى صخرة على الرسول يريد قتله ومن كان معه من أصحابه، وفي غزوة خيبر أدخلت عليه السم في الطعام زينب بنت الحرث اليهودية، ومنهم من آذاه وآذى المسلمين ككعب بن الأشرف الشاعر اليهودي هجاه وشبب بنساء المسلمين، وحرض عليهم وآذاهم فقتله، وعصماء بنت مروان الشاعرة اليهودية كانت تعيب الإسلام وتؤذي النبي، وتحرض عليه وتهجوه، وأبو عفك اليهودي يحرض على المسلمين، ويقول الشعر على الرسول، ولم يترك اليهود حيلة لإلقاء الشقاق بين المسلمين، وبين المسلمين والمشركين إلا أتوها، وغاظهم تألف

56

الأوس والخزرج فذكروهم يوم بعاث، وكان الظفر فيه للأوس في الجاهلية، فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وتداعوا إلى السلاح، ولولا أن وعظهم الرسول وأبان لهم أن ذلك كيد من عدوهم لأفنى بعضهم بعضا، وفي هذه المؤامرات نزلت آية:

يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين .

وبدأ بدومة الجندل فكانت أول غزواته للروم فيها وغزا تبوك، ثم أغزى بعض خاصته مؤتة من أرض الشام ذلك لما بلغه أن الروم تجمع جموعها، تريد أن تغزو بلاد العرب بمن عندها من متنصرة العرب وغيرهم، وكان شرحبيل بن عمرو الغساني من عمال الروم عرض للحرث بن نمير الأسدي رسول الرسول إلى أمير بصرى يحمل كتابا فقتله، ولم يقتل للنبي رسول غيره فوجد عليه وجدا كثيرا.

فلم يعمد الرسول إلى السيف إلا لما رأى الخطر يتحيفه من كل وجه، وما قال بالقوة إلا لما استنفد عامة طرق الدعاية إلى دينه، وما غزا غزوة إلا عن سبب قوي دعاه إليها، ومن المتعذر أن يحمي حمى الدين بغير حماية القائمين به، ولا يأمن المضعوف شر القوي إلا إذا قوي مثله، ولن تكون الحجاز بمأمن من جيوش الروم وفارس، إذا لم تكن العرب ذات سطوة يخشى بأسها، ولا يكون محمد والمؤمنون به بمنجاة من مجاوريهم إذا لم يكونوا أبدا على استعداد لمقابلتهم بمثل سلاحهم.

قويت كلمة الإسلام وزاد كلب أعدائه، فأمر الرسول بقتال المشركين والكفار والمنافقين،

57

وجاءت عدة آيات في قتالهم منها:

يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ،

وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين ،

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ،

فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ،

وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ،

واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ،

انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ،

يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون ،

قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

وكان من حرب الرسول للعرب فوائد أخرى، منها الضرب على أيدي من استنزفوا ثروة الجزيرة، توزع أموالهم على العاملين من الناس، ويعوض من مال من قاوموا الإسلام على المهاجرين، الذين فقدوا بهجرتهم ما كانوا يملكونه في مكة من عروض التجارة والعقار والأرض، ويعتاض الأنصار عما أنفقوه في إكرام إخوانهم المهاجرين إلى المدينة، فأعانت الحروب الأولى أهل الإسلام على المضي في دعوتهم؛ ليتفرغوا بما تصل إليه أيديهم من المغانم والصدقات، فيقووا على حرب من أفسدوا كيان الجزيرة بما استحلوا من ظلم أهلها، ومنهم من كانوا يكرهون إماءهم على الزنا، ويضربون عليهم الضرائب فنزل قوله تعالى:

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٠٦