وأوصى الرسول آخر أمره بالأنصار وأهل الذمة وبالنساء، وأذن في الناس في السنة التاسعة أنه لا يحج بعد ذاك العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان،
43
ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته، ولا عهد لمشرك ولا ذمة بعد أربعة أشهر، ولم تمض سنة حتى دخلت العرب في الإسلام ، وكانوا أكثر من مائة ألف وتعايروا بالشرك بينهم والمقام عليه.
44 •••
صورنا في الصفحة الماضية صورة من دعوة الرسول إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ومثلنا ما بلغ قومه من إيذائه وإيذاء أصحابه، إلى ما لم تكد نفس بشرية تتحمله، وها نحن أولاء نرسل صورة أخرى تكذب أيضا من تقولوا عليه، واتهموه بأنه ظلم من قاتلهم، ولطالما رماه بذلك المتنطعون ليقولوا: إن الإسلام ما قام إلا بالسيف، فقد رأينا عطف الرسول على نصارى نجران، لما جاءه وفد منهم فيه عاقبهم وثمالهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم
45
في ستين راكبا فناقشوه وناقشهم، ثم ارتضوا بأداء الجزية فداموا بخير ما حافظوا على عهدهم، وكذلك كان حال أهل دومة الجندل
46
وأذرح وهجر والبحرين وأيلة من بلاد النصارى، فإنها كانت من أرض الصلح، وأدت إلى الرسول الجزية، وعاشت مع المسلمين بسلام، ولم يقاتل بني قيس بن ثعلبة، وكانوا نصارى وتركهم يلحقون باليمامة حتى أسلم الناس، فمنهم من أسلم، ومنهم من أقام على نصرانيته. وقال الرسول من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفسه فأنا حجيجه. وقال من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة. وقال من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة أن يشمها، وجعل دية المعاهد كدية المسلم ألف
47
دينار.
وعطف المسلمون على الروم لما غلبهم الفرس في أرض الجزيرة حتى فرح المشركون وشمتوا بالمسلمين،
48
وقالوا أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس أميون، فقد ظهر إخواننا المجوس على إخوانكم فلنظهرن عليكم، فنزل قوله تعالى:
الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، ثم ظهرت الروم على فارس، والتقى الجيشان في السنة السابعة من الالتقاء الأول، وغلب الروم الفرس فسر المسلمون وصدق التنزيل.
49
وفي السنة الأولى من الهجرة كانت واقعة ذي قار بين بكر بن وائل وبين الجيش الذي بعثه إليهم الملك خسرو أبرويز، فهزمت العجم ومن كان معها من تغلب وطي وضبة وتميم والنمر وبهراء وتنوخ وغيرهم من متنصرة العرب ، ولما أتى بعض بكر بن وائل الموسم وقف عليهم النبي وهو يعرض نفسه على القبائل، فوعدوه إن نصرهم الله على الأعاجم أن يؤمنوا به فدعا لهم بالنصر، ولما حمي وطيس الحرب بينهم وبين جيوش كسرى قالوا عليكم بشعار التهامي، فنادوا يا محمد يا محمد فهزموا عدوهم، فلما بلغه ظهورهم على الأعاجم، قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم.
50
هكذا كانت عاطفة الرسول والمسلمين نحو النصارى، ومثل ذلك كانت عاطفته نحو اليهود،
51
ولولا ذلك ما عاهدهم ولا هاجر من بلده إلى بلدهم معتصما بالأوس والخزرج حلفائهم، وبعد أن عاهدوه وشرطوا عليه واشترط عليهم خانوه وألبوا عليه الأحزاب - أي قبائل العرب - وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فبنو قريظة نقضوا عهده وأعانوا عليه في غزوة الخندق، وهي غزوة الأحزاب، فحاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فأمر بقتل المقاتلين منهم، وسبي ذراريهم، واستفاءة
52
أموالهم لمظاهرتهم المشركين على المسلمين، وبنو النضير امتنعوا منه بحصونهم، فقطع نخلهم وشجرهم وأضرم النار عليهم، فصالحوه على أن يحقن لهم دماءهم ويسيرهم إلى أذرعات في الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء على أن لهم ما أقلت الإبل ما عدا الحلقة،
53
ويهود خيبر طالوه وماكسوه،
54
ثم صالحوه على حقن دمائهم وترك الذرية على أن يجلوا ويخلوا بين المسلمين وبين الأرض والصفراء والبيضاء والبزة إلا ما كان منها على الأجساد.