تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعث الرسول في سنة سبع كتبه ورسله إلى الملوك والأمراء من العرب والعجم يدعوهم إلى الإسلام، وذلك لما تمت له الغلبة على قريش، ولم يبال سلطانهم، ولا استخذى

37

في سبيل دعوته، وكان كل كتاب أرسله يختلف بألفاظه ومعناه واحد، فمن الملوك من تلطف وهاداه ووالاه، ومنهم من أكبر هذه الجرأة منه ككسرى، فإنه مزق كتابه وأمر أحد عماله في اليمن أن يأتي الحجاز ويستتيب الرسول أو يبعث إليه برأسه.

هذا والناس يدخلون في الدين أفواجا، والقبائل تنزل على حكم الرسول وأصحابه، والوفود تفد عليه من أقطار بلاد العرب، يدخل أهلها في طاعته، وتتخلى عن الشرك وتدين بالتوحيد، وتؤدي الصدقات والأموال، ومنهم من ينضم إلى جيشه، ومنهم من يبقى في أرضه، وأهل الكتاب يؤدون الجزي والعشور، ويسالمون الرسول لا يرجون غير رضاه، وفي كتبه إلى من رأى دعوتهم إلى دينه من الملوك والأقيال والزعماء مثال من سياسته واستبطانه أحوال كل قطر ومصر، وهو أبدا في شغل شاغل من تأمير الأمراء، يوصيهم بتقوى الله

38

وبمن معهم من المسلمين، ثم يقول: «اغزوا على اسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فاسألهم الجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم، فإن أبوا فاستعن بالله تعالى وقاتلهم، وإذا حصرت أهل حصن فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك فإنكم إن تخفروا ذممكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله، وإذا أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل بل على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا.»

ومن سياسة الرسول أن كان القريب والبعيد، والقوي والضعيف، في الحق سواء، ما هاب ملكا لملكه، ولا ذا سلطان لسلطانه، ولا صانع ذا مال لماله، يؤلف بين قلوب أهل الشرف، ويؤلف أصحابه ولا ينفرهم، ويكرم كريم قومه، وهو أحلم الناس، يحب العفو والستر ويأمر بهما، يخوض مع أصحابه إذا تحدثوا، فيذكرون الدنيا

39

فيذكرها معهم، ويذكرون الآخرة فيذكرها معهم، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولا ضرب امرأة ولا خادما قط، كان يبشر ولا ينفر، وييسر ولا يعسر، يعدل في الغضب والرضا، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، ويأمر أمراءه - أي عماله - أن يأذنوا للفقير قبل الغني، وللوضيع قبل الشريف، وللمرأة قبل الرجل.

أشعر القلوب معنى المساواة والحرية، وإلغاء الطبقات التي كان من نظامها أن يستعبد الشريف المشروف، والغالب المغلوب، استعبادا دونه الرق، سرقت امرأة من بني مخزوم

40

فأهم قريشا شأنها، فقالوا من يكلم فيها رسول الله، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيده حبه، فكلمه أسامة فقال: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ ثم قام فاختطب،

41

ثم قال: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.

ومن خطبة أيام التشريق

42

ألا لا تظالموا ثلاثا، ألا إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في أيام الجاهلية تحت قدمي هذه، ألا وإن أول دم وضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع، ألا وإن الله تعالى قضى أن أول ربا يوضع ربا عمي العباس

وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون .

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٠٤