تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

وأخذ أمر المشركين يضعف ويتراجع، والمسلمون يقوون ويكثرون، والرسول يطلب من الناس أن يبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئا،

29

ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يعصوه في معروف، والناس يبايعونه على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، على ألا ينازعوا الأمر أهله، وعلى أن يقولوا بالحق أينما كانوا، لا يخافون في الله لومة لائم، وإذا بايعه الناس على السمع والطاعة يقول: فيما استطعتم.

وبعد صلح الحديبية جاءه نساء مهاجرات من الكفار، فورد التنزيل:

يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن ، فكان يأمر بامتحان النساء بالحلف، وأنهن ما خرجن إلا رغبة في الإسلام

30

لا بغضا لأزواجهن من الكفار، ولا عشقا لرجال من المسلمين، ومعنى لا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن؛ أي بولد ملقوط ينسبنه إلى الزوج، فإن الأم إذا وضعت الولد سقط بين يديها ورجليها، ومعنى لا يعصينك في معروف هو ما وافق طاعة الله كترك النياحة، وتمزيق الثياب، وجز الشعور، وشق الجيب، وخمش الوجه إلى ما شاكل ذلك من أعمال الجاهلية. وما جوز الرسول قتل النساء والولدان في الحرب، ولا قتل العسفاء ولا الوصفاء،

31

وأغضى عن المنافقين وأجرى عليهم

32

حكم الظاهر حتى قويت بهم الشوكة وكثر العدد، وأغضى عن القاعدين عن الحرب، وهو أشد ما يكون حاجة إلى تكثير سواد من يقاتل معه.

وصالح الرسول قريشا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، ثم انتقض هذا الصلح بعد مدة؛ لأن خزاعة كانت في عهد الرسول، وكنانة في عهد قريش، فأعانت قريش كنانة، فأرسلوا مواليهم، فوثبوا على خزاعة، فقتلوا فيهم، فشكت خزاعة إليه.

فصحت نيته عندئذ على فتح مكة متحللا من المعاهدة التي بينه وبينهم، وخف يدوخها في عشرة آلاف من المؤمنين، فيهم الأنصار والمهاجرون وطوائف من العرب، فسقط

33

في أيدي المشركين، وخافوا إذا ظهر عليهم أن يفنيهم على بكرة أبيهم، فما رأوا منه وهو في موقف الغالب إلا العطف، وكل ما يحبب الإسلام إلى قلوبهم، وشمل أعاظم قريش بإحسانه، وكف عن الأذى عندما أعطوا

34

بأيديهم، وقال: ألا كل دم ومال ومأثرة في الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي هاتين، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج، فإنهما مردودان إلى أهلهما، ألا وإن مكة محرمة بحرمة الله، لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، وإنما حلت لي ساعة ثم أغلقت، فهي محرمة إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها،

35

ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين،

36

إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل، وقال من كان في بيته صنم فليكسره، ودعا بالنساء فبايعنه، وأخذ عليهن العهد والميثاق، فإذا أقررن بألسنتهن قال: بايعتكن، ولا يمس أيديهن، فجعل من النساء أدوات صالحة لنشر الإسلام، وكان بعضهن في الجاهلية يصبغن ثيابهن بدم القتيل، ويأكلن كبده وقلبه.

قال ابن قيم الجوزية: لما خرج رسول الله من حصر العدو دخل في حصر النصر، فعبثت أيدي سراياه بالنصر في الأطراف، فطار ذكره في الآفاق، فصار الخلق معه ثلاثة أقسام: مؤمن به، ومسالم له، وخائف منه، دخل مكة دخولا ما دخله أحد قبله ولا بعده، حوله المهاجرون والأنصار لا يبين منهم إلا الحدق، دخل وذقنه تمس قربوس سرجه خضوعا وذلا لمن ألبسه ثوب هذا العز الذي رفعت إليه فيه الخليقة رءوسها، ومدت إليه الملوك أعناقها، فدخل مكة مالكا مؤيدا منصورا، وعلا كعب بلال فوق الكعبة بعد أن كان يجر في الرمضاء على جمر الفتنة، فنشر بزا طوى عن القوم من يوم قوله «أحد أحد»، ورفع صوته بالآذان، فأجابته القبائل من كل ناحية، فأقبلوا يؤمون الصوت، فدخلوا في دين الله أفواجا، وكانوا قبل ذلك يأتون آحادا، فلما جلس الرسول على منبر العز، وما نزل عنه قط، مدت الملوك أعناقها بالخضوع إليه، فمنهم من سلم إليه مفاتيح البلاد، ومنهم من سأله الموادعة والصلح، ومنهم من أقر بالجزية والصغار، ومنهم من أخذ في الجمع والتأهب للحرب.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٠٣