وبهذا العهد مع أهل يثرب أمن المؤمنون على أنفسهم، واستعدوا لما يخبؤه المستقبل في صدره من الحوادث والكوارث، وكان الرسول في مكة بالأمس داعيا إلى دينه، يتلطف بنشره بين المشركين، ويتحمل العنت والأذى، فلما غادر دار أهله وهي دار الشرك، إلى بلد بعيد وهي دار النصرة، قلب لمن طال عداؤهم له ظهر المجن، وكان المكيون وهو بين أظهرهم يحاربونه بأقوالهم وأفعالهم، وهو يسالمهم لا يريد منهم إلا القول بالتوحيد ونزع أوضار الشرك، فأصبح بعد الجلاء عنهم إلى دار هجرته، قويا بنفسه وبمن معه، وأخذ يحاربهم بأقواله وأفعاله. •••
وكثرت هجرة المؤمنين إلى مدينة يثرب، وقوي المكيون المهاجرون بالأنصار المدنيين، وكان «أول
19
ما بعث الله نبيه بالدعوة بعثه بغير قتال ولا جزية، فأقام على ذلك عشر سنين بمكة بعد نبوته يؤمر بالكف عنهم، ثم أنزل الله عليه:
أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا
الآية، وأمره بقتال من قاتله والكف عمن لم يقاتله، وقال الله عز وجل:
فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ، ثم نزلت براءة لثماني سنين من الهجرة، فأمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب، من قاتله أو كف عنه، إلا من عاهده ولم ينتقض من عهده شيئا فقال:
فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ».
كانت
20
الكفار بعد الهجرة مع النبي على ثلاثة أقسام، قسم وادعهم على ألا يحاربوه ولا يؤلبوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وبني قينقاع، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش، وقسم تاركوه وانتظروا ما يؤول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون»، وهو يوادع ويتلطف وسياسته التي علمه إياها ربه:
فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر .
وشرع الرسول في غزواته وسراياه، وأول غزواته غزوة ودان، وهي غزوة الأبواء، وتواترت غزواته حتى بلغت إلى حين وفاته سبعا وعشرين غزوة وسراياه، وبعثوه ثماني وثلاثين على أرجح الأقوال، ومن غزواته أو سراياه ما كان يضرب فيه المكيين في تجارتهم بين الحجاز والشام، يتسقط عير قريش إذا اجتازت بأرض المدينة، ذاهبة جائية بين دمشق ومكة، وقد وفق في أكثر سراياه وغزواته؛ لأنه كان يعمل برأي من نجذتهم الحروب من أصحابه، وعرفوا بالشجاعة وحسن التدبير، وقد يعمل بما يذهب إليه أصحابه من رأي سديد، ولا يتمسك بما يراه إذا ظهر له صواب ما اعترض عليه به، ويقول «الحرب خدعة»؛ أي إن آخر مكايد الحرب القتال بالسيف إذا كان بدؤها خدعة، وقد يحضر بعض الغزوات بنفسه واشترك في بضع منها، ووصل العدو إليه مرة، وأصابته حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته، وشج وجهه، وكلمت شفته، وانهزم المسلمون يوم حنين، وكانوا أعجبوا بعديدهم فجاء التنزيل:
لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، وكان الرسول يفادي بالأسرى، ويرفق بهم، وإذا جاءه أهلهم ونساؤهم أو شفع فيهم أحد أصحابه، يخفف عنهم أو يطلق سراحهم ولو كان لقي منهم شرا، وفادى بأسارى بدر على قدر أموالهم، وكان أهل مكة
21
يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة فعلمهم فإذا حذقوا فهو فداؤه.
قال الرسول يوم الحديبية، وقد قيل له إن قريشا قد سمعوا بمسيرك فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل،
22
قد لبسوا جلود النمور