تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل هذا والرسول لا يفتأ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، ويقف بمنى على منازل القبائل من العرب

12

فيقول: يا بني فلان، إني رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأوثان، وأن تؤمنوا بي وتصدقوني، وما كان يسمع بقادم يقدم من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له أو عرضه عليه ما عنده.

واهتدى به في بعض السنين ستة من الخزرج من أهل مدينة يثرب - وأهلها قبيلتان الأوس والخزرج يجمعهم أب واحد وهم يمانيون - وبين القبيلتين حروب، وهم حلف قبيلتين من اليهود يقال لهما قريظة والنضير، فذهبوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، وجاءه من قابل اثنا عشر رجلا من أهل يثرب أيضا، فأسلموا وبايعهم بيعة النساء، وبيعة النساء ألا يشركوا بالله شيئا، ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، فعادوا إلى المدينة ينشرون الدعوة المحمدية.

وما برح المؤمنون بالرسالة يكثرون سنة فسنة، حتى رأى الرسول في السنة الثالثة عشرة من مبعثه أن يهاجر إلى يثرب ليكون والمؤمنين به بمأمن من الأذى، وينفسح أمامه المجال لنشر دعوته، وما إن علمت قريش أنه صار له أنصار وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، وأن أصحابه بمكة لحقوا به ونزلوا يثرب وأصابوا ممن آمن منعة، ورأوا «ظهور الرسول وعلو حقه» حتى اجتمعوا في دار قصي بن كلاب، وهي دار ندوتهم

13

فأجمع رأيهم على أن «يأخذوا من كل قبيلة رجلا يضربونه بسيوفهم ضربة رجل واحد ليضيع دمه في القبائل.»

وجاء مدينة يثرب فآخى بين المهاجرين والأنصار،

14

آخى بينهم على الحق والمؤاساة، يتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين وقيل مائة، نصفهم من المهاجرين ونصفهم من الأنصار، وظلوا على هذه المؤاخاة حتى نزلت في وقعة بدر آية

وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله

فنسخت هذه الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث، ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه.

وكتب الرسول كتابا في يثرب - وكانت أرض يثرب لليهود - بين المهاجرين والأنصار وبين اليهود، أقر فيه اليهود على دينهم وأموالهم، وعاهدهم ووادعهم، واشترط عليهم وشرط لهم، جاء فيه: أن المؤمنين لا يتركون مفرحا

15

بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل، ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافر على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وأن من اتبع المسلمين من يهود، فإن له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت مع المسلمين يعقب بعضها بعضا، وأن المؤمنين يبيء

16

بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وأن من اعتبط

17

مؤمنا قتلا عن بينة، فإنه قود به إلى أن يرضي ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، لا يحل لهم إلا قيام عليه، وأن اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يؤتغ

18

إلا نفسه وأهل بيته، وأن بطانة يهود كأنفسهم، وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد، وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه من خرج آمن، ومن قعد بالمدينة آمن إلا من ظلم أو أثم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٣٠٠