كان أبو طالب عم الرسول يرعاه ويحميه من أذى قريش، وعمه أبو لهب يضطهده ويؤذيه ويؤلب قريشا عليه، وهلك أبو طالب، ثم زوج الرسول خديجة، فذهب النصير والعشير، وعظمت عليه المصيبة بموتهما، ووصلت قريش من أذاه إلى ما لم يكونوا يصلون إليه في حياة عمه: يهزءون بدعوته ويكذبونه، ويضعون الشوك في طريقه، ويحثون التراب على رأسه، ومنهم من يطرح عليه أو في برمته
4
رحم شاة، فيقف على بابه ثم يقول: يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟
أغرت قريش سفهاءها به، ومن قبل النبوة كانت تدعوه الأمين لما رأت من أمانته ومروءته، وصدق حديثه وحسن جوابه، ولطالما حكمته قبل مبعثه في معضلاته فحكم بالحق، وقد شهد حلف الفضول على التآسي بين قريش وعدم التظالم، واشترك في حرب الفجار، ورضي العشائر بحكمه يوم اختلفوا فيمن يرفع الحجر الأسود إلى محله في الحرم، حتى قال قائل ممن حضر من قريش - وقريش كلها حضور - متعجبا من فعلهم وانقيادهم
5
إلى أصغرهم سنا وأقلهم مالا، فجعلوه عليهم رئيسا وحاكما: أما واللات والعزى ليفوتنهم سبقا، وليقسمن بينهم حظوظا وحدودا، وليكونن له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم.
شق على قريش أن يقوم من بنيها من يزحزحها عن مألوفها من العبادات والعادات، لا يحفل بما تواطأت على تعظيمه، ويأتي على نظامهم الاجتماعي الذي كان لا يفيد إلا الممولين والملآء،
6
وكان يقهر الصعاليك والضعفاء، وكانت مكة في الجاهلية لا تدين
7
لملك من الملوك، ولم يؤد أهلها إتاوة، ولا ملكهم ملك قط، تحج إلى مكة ملوك حمير وكندة وغسان ولخم، فيدينون للحمس من قريش، ويرون تعظيمهم والاقتداء بآثارهم مفروضا، وكان أهلها آمنين يغزون ولا يغزون، ويسبون ولا يسبون، وأهلها حلفاء متآلفون، ومتمسكون بكثير من شريعة إبراهيم، وهي توحيد
8
الخالق، وملة الإسلام هي ملة إبراهيم نزل القرآن بتوكيدها، وجاء الإسلام ليأتي على الشرك، ويخرج العرب من عبادة اللات والعزى ومناة وغيرها من أصنامهم إلى توحيد الخالق تعالى.
ضاقت مكة بمن أجابوا الدعوة من المسلمين، ومنهم من ليس له عشيرة تحميه، فأمر الرسول بعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، فهاجر إليها نحو ثمانين رجلا وثماني عشرة امرأة سوى الأبناء، وسافر إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة، فعاد وقومه أشد مما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين،
9
ممن آمن به، ورجع أصحابه إلى مكة من الهجرة الأولى فاشتد عليهم قومهم
10
وسطت بهم عشائرهم، ولقوهم أذى شديدا، فأذن لهم الرسول في الخروج إلى أرض الحبشة مرة ثانية، فكانت خرجتهم الأولى أعظمهما مشقة، ولقوا من قريش تعنيفا شديدا، وكبر عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره، وغضبوا على الرسول وأصحابه، وأجمعوا على قتله، وكتبوا كتابا على بني هاشم ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، ثم حصروا بني هاشم في شعب أبي طالب، وانحاز بنو المطلب بن عبد مناف إلى أبي طالب في شعبه مع بني هاشم، وخرج أبو لهب إلى قريش فظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغهم الجهد، وسمعت أصوات صبيانهم من وراء الشعب، فمن قريش من سره ذلك، ومنهم من ساءه، ومكث الرسول في الشعب سنتين وقيل أكثر.
وكان من ضروب الأذى الذي تلحقه قريش بالمستضعفين من المؤمنين، أن يلبسوا بعضهم أدراع الحديد، ثم يصهرونهم في الشمس، أو يلصقون ظهورهم بالرصف
11
حتى يذهب لحم متنهم، ويجيعونهم ويعطشونهم حتى ما يقدر أحدهم أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، ويقولون له: آللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى اضطر الرسول أن يحث المؤمنين ألا ينزلوا إلا مع المسلمين، لما كان يلحقهم من أذى المشركين إذا جاوروهم؛ لأنهم لا عهد لهم.