13
السويسري: «لما كان الإسلام دينا من الأديان أصبح قوة أدبية عظيمة جدا جديرة بالاحترام من وراء الغاية، ولذا تقضي الحال بأن تقوم الصلات مع أهله على أساس الإخاء والحب، وأهم الشروط في هذه الروابط الحسنة احترام الإسلام احتراما مطلقا، وإن هذا الدين بفضل ما نشره بعض الباحثين من العلماء المجردين عن الأغراض، وما وقف عليه بعض أرباب الرحلات قد أصبح معروفا في أوروبا معرفة تامة، وغدا يقدر قدره أكثر من قبل.» ا.ه.
ورأينا عظماء من الغربيين لا يذكرون الإسلام إلا بالتعظيم، وعهدنا ببعض كبار رجال العقول من مؤلفيهم الذين اشتهروا بين العامة والخاصة كأناتول فرانس، أنهم لم يذكروا الإسلام بأقل تعريض في كتبهم الكثيرة، واستعملوا حريتهم في الكلام على دينهم الخاص؛ وهذا لأن العقل لا يجوز أن يخوض المرء عباب مسألة عظيمة، إن لم يكن استعد الاستعداد الكافي للنظر فيها بالدرس والتمحيص، ومن أعظم ما يعاب به العالم أن يقول جزافا، ويتكلم بلا وزن وروية، والعاقل من يحرص على أن لا تبدو مقاتله، ولا يستحي إن لم يكن عارفا من قول «لا أدري»، وقد قالوا: إن لا أدري نصف العلم.
وقال آرثر جلين ليونارد:
14 «يجب أن تكون حالة أوروبا مع الإسلام بعيدة من كل هذه الاعتبارات الثقيلة، وأن تكون حالة شكر أبدي بدلا من نكران الجميل الممقوت والازدراء المهين، فإن أوروبا لم تعترف إلى يومنا هذا بإخلاص طوية وقلب سليم بالدين العظيم، المدينة به للتربية الإسلامية والمدنية العربية، فقد اعترفت به بفتور وعدم اكتراث عندما كان أهلها غارقين في بحار الهمجية والجهل في العصور المظلمة فقط، ولقد وصلت المدنية الإسلامية عند العرب إلى أعلى مستوى من عظمة العمران والعلم، فأحيت جذوة المجتمع الأوربي وحفظته من الانحطاط، ولم نعترف، ونحن نرى أنفسنا في أعلى قمة من التهذيب والمدنية، بأنه لولا التهذيب الإسلامي، ومدنية العرب وعلمهم وعظمتهم في مسائل العمران، وحسن نظام مدارسهم، لكانت أوروبا إلى اليوم غارقة في ظلمات الجهل.»
قال: «هل نسينا أن التسامح الإسلامي كان يختلف اختلافا شديدا عن الحالة التي كانت عليها أوروبا إذ ذاك، هل نسينا أن الخلافة نشطت في أعظم أيام الانحطاط الروماني والفارسي، وأن السواد الأعظم من أوروبا كان في غشاوات الوحشية السوداء القاتمة، أتهمل أوروبا، حقدا منها وإنكارا للجميل، تلك الأعمال التي قام بها العرب وتركوها وراءهم في كتبهم، ألم نك ممن فقد نشاط العالم الإسلامي في عصره الذهبي العجيب، وذلك في عصوره الأولى ولا سيما في زمن العباسيين، وكيف ننسى الخسارة الفادحة التي جنيناها على آداب العرب، بل الجناية التي جنيناها على العالم أجمع، بتدميرنا عن جهل وغرور ألوفا من كتبهم ساقنا إلى إبادتها التعصب النصراني، ألا يقال: إن أوروبا النصرانية بذلت كل ما في وسعها منذ قرون لتخفي يد العرب فيها، وسوف لا يطول الأمر حتى يعترف بهذه الصنيعة، دع أوروبا بل القارة النصرانية تعترف بخطئها، دعها تعلن للعالم أجمع غباوتها الغزيرة؛ لقلة إسداء الشكر الواجب عليها، إنها ستضطر بعد إلى الاعتراف بالدين الأبدي المدينة به للإسلام.» وقال إدموند يورك: «القانون المحمدي قانون ضابط للجميع، من الملك إلى أقل رعاياه، وهو قانون نسج بأحكم نظام حقوقي، وأعظم قضاء علمي، وأعظم تشريع منور، لم يسبق قط للعالم إيجاد مثله.»
وقال جان مليا:
15 «من الواجب أن يطرح بعد الآن ما ادعاه في القرآن بعض المتفلسفين من الفرنسيس، فالقرآن تجب تلاوته بتؤدة وليس فيه ما يتهمه به الأعداء من أنه ملقن التعصب، والإسلام دين سماوي، وهو دين حب وعاطفة وشرف، وأكثر الأديان تساهلا.»
يقول لبون
16
خلال كلامه على أن وحدة الإسلام الخلقية واحدة من أساسها؛ لأن الإسلام قام على كتاب واحد وهو القرآن: «إن هذا الكتاب قانون ديني وسياسي واجتماعي، وأحكامه نافذة منذ عشرة قرون.» قال: «ولقد انحلت بالتدريج السلطات السياسية الإسلامية من عهد المملكة العربية إلى دولة الأتراك الحديثة، وبقدر ما كان يتراجع سلطانها على البلاد كانت تفتح أرواحا ونفوسا ... إن سذاجة الدين الإسلامي وإيمان المؤمنين به، قد أورثاه قوة، فهو يكتفي بقول لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قام بالدعوة إلى هذه الحقيقة، والمسلمون إخوة؛ لأنهم يعبدون إلها واحدا وشريعتهم واحدة، يبغضون ما يبغضون، ويحبون ما يحبون، ويجمع الحج كل سنة في مكة جماعات المؤمنين من كل صقع ولغة، وعلى ما عرف به الشرع الإسلامي من الصلابة، قد أخذ يسير على قاعدة النشوء والارتقاء، وبعبارة أخرى على الأسلوب الأوربي، وإذا كره العلماء فتح باب الاجتهاد، فإنهم يعدلون الأحكام القرآنية في المسائل المهمة، وقد تم الإصلاح بمصر في هذا المعنى.» ا.ه.