9
الله، كما قال علي بن أبي طالب، ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاجا لطرق الصلحاء، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى.
القرآن أكبر معجزة للرسول؛ هو المرجع
10
حين يجد الخلاف، وهو أيضا المعجزة الصريحة التي يعتز بها العقل، ويصح للمسلمين أن يواجهوا بها العالم غير مترددين، يحمل عدوه على الإيمان به والخشوع لديه، ولو صحت - لا صحت أراجيف الملحدين - من أن القرآن من إنشاء محمد بن عبد الله، لكان محمد هذا أعظم رجل شهد هذا الوجود:
وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون ،
قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ،
11
وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون .
فالقرآن بإعجازه يضرب الأمثال للحاضرين بالغابرين، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويشتمل على أنواع من الأعمال كلف بها العباد،
12
ومشروعات لتأمين الدعوة وهي الجهاد، ومشروعات لتكوين البيوت والأسرة، وهي ما يتعلق بالزواج والطلاق والأنساب والمواريث، ومشروعات لطريق المعاملة بين الناس، ومشروعات لبيان العقوبات على الجرائم وهي القصاص والحدود. هذا هو الكتاب الذي أخرج للناس فيه هدى لهم وتطهير لنفوسهم، وقواعد لقيام مجتمعهم، وتذكير لهم أبدا بالمعاد، وليس القرآن كتابا علميا يبحث في الكيمياء والفلك والطبيعيات وتقويم البلدان وتاريخ الإنسان، وإذا جاء فيه عرضا بعض إلماع إلى ذلك فلا يصح دليلا على أنه حوى كل علم على ما زعم بعضهم، وما القرآن إلا القانون الذي يحضر الناس للحضارة، ويذكرهم بحياة ثانية إذا حسن التصرف في الأولى، تم ما وعد به المسلمون من الخير في الآخرة.
قال جان جاك روسو في القرن الثامن عشر: «من الناس من يتعلم قليلا من العربية ثم يقرأ القرآن ويضحك منه، ولو أنه سمع محمدا يمليه على الناس بتلك اللغة الفصحى الرقيقة، وذاك الصوت المقنع المطرب المؤثر في شغاف القلوب، ورآه يؤيد أحكامه بقوة البيان، لخر ساجدا على الأرض وناداه أيها النبي رسول الله خذ بأيدينا إلى مواقف الشرف والفخار، أو مواقع التهلكة والأخطار، فنحن من أجلك نود الموت أو الانتصار.»
وقال كارلايل في القرن التاسع عشر: «إن فرط إعجاب المسلمين بالقرآن وقولهم بإعجازه أكبر دليل على تباين الأذواق في الأمم المختلفة، والترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة.» وجاهر كلود فارير في القرن العشرين بأن «آيات القرآن جميلة وتحسن تلاوتها، فيها نفحة طاهرة عجيبة؛ لأنها تأمر بالشجاعة والصدق والأمانة، وتدعو إلى حماية الضعيف وإلى عبادة إله واحد.»
نقتصر على رأي هؤلاء الثلاثة الحكماء في القرآن، وهناك كثيرون ذهبوا مذهبهم وقالوا بقولهم، وجاهروا غير مدلسين ولا موالسين، ويكفينا في بيان فضل الإسلام أن نعمد أيضا إلى نقل كلام بعض علماء الإفرنج فيه، فقد قال ولز المؤرخ الإنكليزي: «كان الإسلام في أول أمره خاليا من التعقيدات اللاهوتية التي طالما ارتبكت بها النصرانية، وأحدثت شقاقا قضى على الروح النصراني، وليس للإسلام كهنة بل له علماء ومعلمون ووعاظ، وهو حافل بروح الرأفة والسخاء والإخاء، كما أنه ينطوي على عاطفة النجدة التي تنبت في الصحراء؛ ولهذا جاز إلى قلوب عامة الناس دون أن يجد ما يصده في غرائزهم.» وقال مونتيه