قال لاموش:
185
لئن كان في تنظيم الإدارة في المملكة العثمانية عيب فاحش الظهور لهو في صور التنفيذ لا في الأصول، ومنشأ النقص هو السلطة المطلقة الذاتية، التي يتمتع بها الحكام فمن بعدهم، وبيع المناصب وجباية الضرائب، وشيوع الاختلاس في أموال الدولة، وفشو الرشوة، وإذا قيست إدارة العثمانيين بإدارة معظم الممالك الأوربية في ذلك العهد، رؤي في الإدارة العثمانية ترتيب وسلطة ثابتة هي أتم مما كان من نوعها عند غيرهم، وبهذه المركزية وبالإدارة المطردة كتب للملكة العثمانية، على ما كان لها من المشاكل الخارجية، أن تبلغ درجة عالية من القوة، وأن تحتفظ بها إلى آخر القرن التاسع عشر، وما منع الإسلام سلاطين العثمانيين من رعاية النصارى في المملكة، لما عرف من أن فتحهم الروم إيلي والآستانة، ثم فتح بلاد المجر قد زاد في عديد رعاياهم من النصارى، ومنهم العنصر المنتج العامل في الزراعة والتجارة والمال، ومنهم يجبى قسم عظيم من ارتفاع الدولة. وقال أيضا: من سوء طالع تركيا أن جزءا عظيما من القوانين الجديدة، لما عاقت العوائق عن تطبيقها، ظلت مكتوبة في الورق، فقيل بعد ذلك: إنه كان لتركيا قوانين جيدة ولديها من ضروبها شيء كثير، ولكن يعوزها التطبيق فقط. وقال جلال نوري:
186
إنا لنرى، والأسف ملء قلوبنا، أن جنسنا التركي ليس على استعداد كبير للإدارة؛ فقد وضعت أسس ترتيبات مهمة على عهد أورخان ومراد خداوندكار، فحالت قلة أهليتنا لها دون الاحتفاظ بها، وكان عجزنا في الإدارة محققا، ولنا أن نقول: إن المسألة الشرقية بمعناها الحقيقي هي مسألة إدارة، أو بتعبير أصح مسألة قلة إدارة، ولولا فساد الإدارة ما وجدت روسيا، ومن لهن علاقة بالشرق من الدول سبيلا إلى الدولة العثمانية ينفذن منه إلى إثارة العناصر المختلفة في السلطنة، وكل ما أصابنا ناشئ من خلل الإدارة، وباختلال إدارتنا قامت في العهد الأخير بعض العناصر العثمانية فنزعت إلى الاستقلال، ودفعت إلى تأليف إدارات مستقلة، وإنشاء حكومات قامت على السلطان القومي، وما احتفظت أمة قط بوحدتها وحياتها إلا بحسن إدارتها.
| السياسة في الإسلام
سياسة الرسول
كان أول الناس إسلاما زوج الرسول خديجة بنت خويلد، وأبو بكر الصديق، وابن عمه علي بن أبي طالب وهو طفل، ومولاه زيد بن حارثة، وقضى نحو ثلاث سنين منذ نبوته وهو يعمل مستخفيا يجتمع إليه أصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم سابع سبعة في الإسلام، ودعيت هذه الدار دار الإسلام؛
1
لأن فيها دعا الرسول إلى التوحيد، ومنها خرج المسلمون لما أسلم عمر بن الخطاب وكبروا وطافوا بالبيت ظاهرين.
وأخذ الرسول ينذر عشيرته الأقربين من بني هاشم وبني المطلب قائلا: ما أعلم إنسانا في العرب جاءكم بأفضل مما جئتكم بخير الدنيا والآخرة،
2
فأيكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟ فأحجم القوم، وقام بالأبطح من ضواحي مكة فقال: إني رسول الله أدعوكم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت. فاستهزأت به قريش، وقالوا لأبي طالب: إن ابن أخيك قد عاب آلهتنا، وسفه أحلامنا، وضلل أسلافنا، فليمسك عن ذلك ، وليحكم في أموالنا بما يشاء، فقال الرسول: إن الله لم يبعثني لجمع الدنيا والرغبة فيها، وإنما بعثني لأبلغ عنه وأدل عليه، وقال: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أدع هذا الذي جئت به ما تركته.
وأخذ يوافي الموسم كل عام،
3
ويتبع الحاج في منازلهم في المواسم، بعكاظ ومجنة وذي المجاز من أسواق مكة وضواحيها، يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه، وإنه ليسأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذل لكم العجم، وقال «بعثت إلى الناس كافة، فإن لم يستجيبوا لي فإلى العرب، فإن لم يستجيبوا لي فإلى قريش، فإن لم يستجيبوا لي فإلى بني هاشم، فإن لم يستجيبوا لي فإلي وحدي.»