تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما قاله صاحب المؤنس، وهذه العجمة الغالبة على قضاة الترك التي أشار إليها كانت سببا عظيما من أسباب سوء الإدارة، وسوء التفاهم بين الحاكم والمحكوم منذ الزمن الأطول، وكيف يفهم القاضي أو الوالي أقوال المتقاضين والشاكين إذا كان أعجميا، بل كيف يفهم مع عجمته الحكم الشرعي من كتب العرب، والشريعة عربية، وهل للوالي أو الشاويش أن يؤثر في نفوس من يتولى أمرهم إذا لم يستطع التفاهم معهم، بل أن يخطبهم إذا دعت الحال، وأنى لابن العرب أن يفهم كلام التركي في زمن ضعفت فيه أيضا ملكته في لغته! ولذلك خرجت الدولة العثمانية من بلاد العرب، ومنها ما حكمته ثلاثة قرون، ومنها ما حكمته أربعة، وهي لا تعرف روح البلاد ولا روح أهلها.

وفي معلمة الإسلام

184

أنه كان من فتح الترك شمالي إفريقية وضع حد لتوسع دول النصارى فيها، وإنقاذ المسلمين في أرجائها من توسع الإسبان في استيلائهم على بعض بلدانها (1615م)، فأسس الترك مملكة تناولت بلاد الغرب الأوسط وتولاها «بكلربك» من قبل الدولة العثمانية، ولم يبق غير مدينة وهران بيد الإسبان، ولم تتناول سلطة الأتراك الفعلية في الجزائر غير محيط من الأرض، لا تتجاوز مساحته خمسة وسبعين ألف كيلو متر مربع، أو سدس بلاد الجزائر، وظل الباقي في أيدي أناس من المتغلبة، ومن القبائل المستقلة، ومنها ما يدفع خراجا للسلطنة، فلم يبق أمام الترك غير اتباع سياسة «فرق تسد» بين القبائل والمتزعمين والبيوت المتغلبة، وكذلك كانت سياستهم مع الخاضعين لسلطانهم مباشرة. دام الحال على ذلك النحو ثلاثة قرون، والقتل يفشو في البادية والحاضرة، على مثال سائر الولايات العثمانية، ومن الولاة من كانوا يعينون من الآستانة إلى ثلاثين سنة، تعضد سلطانهم خمسة آلاف جندي إنكشاري، ثم تغلب بعض آغواتهم على الحكم، فلم يبق للوالي المعين من دار السلطنة غير سلطة اسمية، وكان عهد الآغوات عهد اضطراب وفتن ويلقى عامة هؤلاء الآغوات حتفهم بأيدي جند الإنكشارية، ولما ضايقت الدول البحرية الأوربية الجزائر لحملها على منع قرصان البحر من الإتجار بالرقيق، وكانت تجارته من أعظم أسباب غنى الجزائريين مدة ثلاثة قرون، بل من أهم موارد الحكومة في هذه الولاية، عاد الولاة يظلمون الرعايا في اقتضاء الجباية، أو يلقون أنفسهم في أحضان اليهود، يقترضون منهم الأموال ليصرفوها في إدارة البلاد. وكثيرا ما كانت الفتن تنتشر بين السكان لكثرة المغارم والمظالم، ومن سنة 1672 إلى سنة 1830 قتل بيد الجند العثماني من الدايات أو الولاة في الجزائر ثمانية عشر واليا، وكان الجند هم الذين يختارون الوالي في العهد الأخير، ويتمتع بسلطة واسعة ويعينه مجلس أو ديوان مؤلف من خمسة وزراء، يتولون مسائل المال والجندية والبحرية، وأملاك الدولة وغير ذلك. ودام هذا التخبط حتى جاء الفرنسيس واستولوا على الجزائر سنة 1830 وجعلوها مستعمرة لهم، وهكذا بقي الفرق محسوسا بين الأرياف وقواعد البلاد، وبين الأرجاء التي حكمتها الدولة بعض الشيء، والأصقاع التي نجت من سيطرة عمالها، كأن القرى والدساكر من غير هذا العالم، ومن قرن لا يعد في هذه القرون.

وبعد فمهما قيل في فساد الإدارة العثمانية منذ القرن العاشر إلى الثالث عشر من الهجرة، فإن فجر القرن الرابع عشر انبلج عن إجماع الحاكم والمحكوم على قبح هذه الإدارة وإرادة الإفاقة من كابوسها صيانة للبلاد، ورأينا الدولة في آخر أيامها ترسل مفتشين لكشف أحوال عمالها في المالية والداخلية والقضاء والحربية وغيرها، ورأينا منهم طبقة صالحة في الجملة إذا بحثوا سقطوا لا محالة على الخلل المتسرب إلى الأوضاع الحكومية، وكانوا يضعون التقارير النافعة لما شاهدوا وحققوا، لكن التنفيذ كان قليلا، وندر أن يؤخذ عامل مجرم بما يقرر فيه، وغاية ما يناله من عقوبة أن ينقل إلى ناحية أخرى، أو يترك مدة بلا عمل ويلقى الستار على جنايته أو جريمته، وكان من الصعب إذا كان للموظف حام يحميه إنزال العقوبة به ولو كان قاتلا. أما سرقة مال الدولة وتعريق لحم الملة فهذا مما لا يؤبه له كثيرا، وعلى هذا كان الناس في هذه الإمبراطورية العظمى بين ظالم ومظلوم، ينفذ فيها القانون على فقراء الرعية غالبا، وقد يستثنى من أحكامه من كان له شافع من ثروة وجاه وقرابة ونسب.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٩٧