وفي الحق أن الدولة أنشأت، بعد تنظيم الولايات، ترسل ولاة ومتصرفين لا بأس باقتدارهم، ومنهم من كانوا يحاولون الإصلاح ما أمكنهم ويقرون العدل بعض الشيء، ويؤمنون السبل بالقليل من القوات التي كانت لهم من الجند والدرك والشرطة، ومنهم من أنشأ مدارس وطرقا كما فعل الوزير مدحت في العراق والشام، وقد كتب من دمشق في إصلاح الإدارة إلى الآستانة يقول: إن الأوامر التي تصدر من الآستانة إلى الشام محصورة في طلب المال والجند فقط، وبذلك بطل العمل بالقانون والأصول المتبعة، وفتحت أبواب سوء الاستعمال، وما عدا بعض رجال من الموظفين أصبح كبار العمال، وصغارهم لا يلتفتون إلى غير مصالحهم فطرأ على المعاملات خلل، وبسوء تأثير ذلك فسدت أخلاق الناس، وكثر القتل والنهب والغارة على الأموال والعروض في كل مكان، واختل الأمن كل الاختلال، قال: وإذا ألقينا نظرة على واردات الدولة رأينا الخراج والأموال قد نزل ارتفاعها إلى النصف، وخربت مسائل الأعشار البلاد، وقل البدل العسكري - الجزية - كتب هذا قبل نحو ستين سنة والدولة آخذة في تقليد الغربيين في إدارة بلادها.
أما سائر الولايات والألوية المستقلة كبرقة وطرابلس وتونس وما إليها، فقد كان سلطان الترك فيه اسميا، وكانت تقنع منها بخراج معين، وتقيم بها حامية، وتوسد أمهات الوظائف الكبرى إلى الأتراك شأنها في كل ولاية، ومنذ استولت على طرابلس بعد سنة 972ه وقعت في أيدي جيشها الإنكشاري،
181
فاختل نظامها واستبدوا بالحكم ومدوا أيديهم إلى ما في أيدي الناس، وفرضوا على الأهالي ضرائب مما لا قبل لهم به، وكثر طغيانهم حتى اضطر كثير من رؤساء القبائل إلى الثورة عليهم في أزمان متتالية تخلصا من حكمهم الجائر، وكان القضاة إذا مات الميت أرسلوا للوارث وطالبوه بدفع سدس ماله وسموا ذلك «فريضة»، وربما أفحش المقدر للأموال المورثة فقدرها بأكثر مما تساوي فيخرج بذلك الوارث من إرثه، وقد يمهل الوالي المعوزين من الفلاحين في أداء ما عليهم من الإتاوات، حتى إذا أدوا ما عليهم باعهم من قائد آخر وسلطه عليهم، ويزيدون في العشور حتى ليجعلون الكيلة توازي ثلاثا من الكيلات المقررة لقسمة الحبوب، وهكذا في خرص الزيتون والنخيل، ومن نقص من شجره شيء ولو النصف لا تسمع شكواه ويلزم بأداء ما كان يدفع على شجره قديما، وقد يجعلون خراج الأرض على الجماجم، ومنذ سقطت تونس (935ه) في أيدي العثمانيين أخذ العمال يتوارثونها، وظلت كأنها مستقلة تنجد الدولة في بعض أيام حروبها العظيمة بشيء من المراكب والجند، وفي تواريخ تونس أنه كان من هؤلاء العمال، ثم من أمرائها الحاليين من يعنون قليلا بتحسين الإدارة والجباية ويعمرون ما تشتد الحاجة إليه من المعالم، ونبغ فيها أواخر القرن الماضي الوزير خير الدين فأحيا مصانعها وزراعتها، ونشر محمد باي الثاني (1276ه) قانونا دعاه عهد الأمان،
182
أطلق فيه حرية التدين للسكان على اختلاف مذاهبهم، وساوى بينهم في الحقوق العامة، وكفل للتونسيين حرياتهم وأموالهم وأعراضهم.
وكان الآغا في تونس على عهد الحكم التركي المباشر يجلس في الديوان ويقوم أكبر الشواش
183
بين يديه والترجمان بإزاء الآغا، فإذا أخذوا مراتبهم قام خطيبهم فدعا للسلطان والعسكر وقرئت الفاتحة، ثم يخرج مناديهم عند الباب يقول: من له دعوى فليدخل، فإذا دخل قابله الترجمان وتعرض القضية، فإن كانت من الأمور الشرعية ردوها إلى الشرع، وإن كانت قانونية فعلوا بآرائهم وبما جرت العادة به بينهم. ولما ظهرت رتبة المفتي في المائة التاسعة، أصبحت أرفع من درجة القاضي، وإذا أشكل أمر على القاضي بعث إلى المفتي يسأله، والقضاة أتراك يجيئونها من بلاد الترك والغالب عليهم العجمة، فاحتاجوا إلى نائب يكون بين يدي القاضي، يكون بمثابة قاضي الخصومات، والقاضي التركي مقام قاضي الجماعة.