ونحن إذا اضطررنا إلى ذكر هذه الحوادث فلكي ندل بها على تلك الإدارة، ولا تفهم سوء حالتها إلا بما تحيف البلاد من شرور القائمين عليها، وإذا ذكرنا الأشخاص فلنستدل على أعمالهم، فقد ذكر التاريخ أن الوزير سنانا فاتح اليمن وتونس ووالي الشام ومصر، وقد تولى الصدارة غير مرة خلف ثروة أقل ما يقال فيها: إنها مجموعة ثروة قسم عظيم من الولايات العربية،
179
إذا وجد بعضها في أحد متاحف الغرب عد غنيا بما في تركته من غرائب. وهذا الفاتح هو الذي أمر بقتل أمراء اليمن ومشايخها، وكانوا جاءوه من بعيد للسلام عليه، فغرس الأحقاد في صدور اليمانيين على الترك قرونا، وهكذا يقال في أحمد الجزار والي الشام وعكا: فإنه لم يبق على ثروة ولم يعف عن إنسان، ولو شئنا أن نعدد أمثالهما لما ضن التاريخ العثماني علينا بمئات سودوا صحيفته، وأكثرهم يقف الوقوف على الجوامع والمدارس، فقد قيل: إن سنانا قام بأعمال خيرية قدر المنفق عليها بمليوني جنيه ذهب بسكة زماننا منها جامع بدمشق، والجزار عمر جامعا بديعا في عكا.
قال ريشاروود:
180
كان الولاة لعجزهم وضعف قوتهم يضطرون إلى الاتفاق مع أعيان البلد على تنفيذ أغراضهم، ويشاركونهم في دسائسهم وجرائمهم وسرقاتهم، ولم يكن بين موظفي الحكومة أحد يحق له أن يكاتب الحكومة المركزية إلا هؤلاء الولاة، وبديهي أنهم لا ينبئون الباب العالي بحقيقة الحالة الإدارية، ولذلك كانت الحكومة المركزية تجهل أحوال الولايات كل الجهل، وقال: إنه سادت المحاكم حالات رديئة مثل استماع شهادة الزور وتناول الرشوة وعمت الفوضى كل مصالح الحكومة، حتى صارت واردات الدولة مأكلا للمختلسين.
وما كانت إدارة بقية بلاد العرب بأحسن مما كانت في الشام ومصر، ولا أكثرها من القوانين والتراتيب الإدارية، فالحجاز يحكمه أشراف مكة مع وال للدولة يتقاسمان المغانم فيئن الناس من الظلم، واليمن تتنازعها سلطتان سلطة بني عثمان في تهامة، وسلطة أئمة الزيدية في الجبال، والأتراك أبدا هناك في حالة حرب واحتلال مؤقت، والدولة تنفي إلى اليمن كما تنفي إلى طرابلس الغرب من تغضب عليهم، وبالنظر لبعدها ما كان يرضى بالتوظف فيها إلا من ضاقت سبل الأعمال أمامه، فكان اليمانيون من هاتين الطبقتين في مصيبة، والبلاد تحكم بقواعد العشائر وعاداتهم ليس فيها طرق ولا مدارس ولا مصانع كسائر الولايات، وأخرب البلاد ما يشب فيها من حروب وغوائل دامت إلى أن عقدت الدولة مع إمام الزيدية في سنة 1329ه، معاهدة اعترفت به وبمذهبه وسلطته اعترافا رسميا، وسواحل اليمن كانت أبدا في فوضى، ولم ينتشر الأمن في ربوعها إلا لما ارتبطت بحكومة الهند الإنجليزية، فأصبح لكل إمارة وناحية إدارة خاصة بها، ونجد لا شأن لقبائلها البدوية إلا أن تتقاتل، وكان الأمن مفقودا فيها كسائر البوادي، وأقر آل سعود وبعدهم آل الرشيد الأمن في ربوعها لما حكموها، وكان العراق بأيدي الولاة في الظاهر، وأيدي متزعمة القبائل في الحقيقة، حتى أصبح بعد عمرانه القديم بادية إلا قليلا، لولا بقع من مجموعات سكان تنزل أرجاء بغداد والبصرة والحلة والموصل وغيرها، وسلطة الدولة لا تكاد تتعدى الحواضر شأنها في كثير من الولايات العربية، والقاصية بأيدي أرباب الزعامات والإقطاعات، وأخذت بعض الولايات التي تولاها عظماء من رجال السلطنة في العهد الأخير تؤسس فيها قواعد الإدارة، وتكثر فيها مراكز الحكومة من أقضية وألوية، فقد أسسوا لواءين في جنوب الشام وشرقها: «لواء الكرك» و«لواء الزور»، فدخل عرب البادية في حياة الزراعة وخف اعتداؤهم بعضهم على بعض، وبطل الغزو أو كاد لاستلاب المواشي. ولما أنشئت السكة الحجازية بين دمشق والمدينة بدأ الأمن يستتب والبادية تحس طعم السكنى، وعمرت على بعض جانبي الخط قرى ومزارع.