وإذا شئت الوقوف على حالة القضاء فاقرأ الصفحة التالية من تاريخ الجبرتي بالنص الذي كتبه في ماجريات سنة 1231ه، قال: «حصلت جمعية ببيت البكري وحضر المشايخ وخلافهم، وذلك بأمر باطني من صاحب الدولة (محمد علي)، وتذاكروا ما يفعله قاضي العسكر من الجور، والطمع في أخذ أموال الناس والمحاصيل، وذلك أن القضاة الذين يأتون من باب السلطنة كانت لهم عوائد وقوانين قديمة لا يتعدونها في أيام الأمراء المصريين، فلما استولت هؤلاء الأروام - الترك - على الممالك والقاضي منهم، فحش أمرهم وزاد طمعهم، وابتدعوا بدعا وابتكروا حيلا لسلب أموال الناس والأيتام والأرامل، وكلما ورد قاض ورأى ما ابتكره الذي كان قبله أحدث هو الآخر أشياء يمتاز بها عن سلفه، حتى فحش الأمر وتعدى ذلك لقضايا أكابر الدولة وكتخدا بك بل الباشا، وصارت ذريعة وأمرا محتما، لا يحتشمون منه ولا يراعون خليلا ولا كبيرا ولا جليلا، وكان المعتاد القديم أنه إذا ورد القاضي في أول السنة التوتية التزم بالقسمة بين المميزين من رجال المحكمة بقدر معلوم يقوم بدفعه للقاضي، وكذلك تقرير الوظائف كانت بالفراغ أو المحلول، وله شهريات على باقي المحاكم الخارجة كالصالحية، وباب سعادة، والخرق، وباب الشعرية، وباب زويلة، وباب الفتوح، وطيلون، وقناطر السباع، وبلاق، ومصر القديمة ونحو ذلك، وله عوائد وإطلاقات وغلال من الميري، وليس له غير ذلك إلا معلوم الإمضاء، وهو خمسة أنصاف فضة، فإذا احتاج الناس في قضاياهم ومواريثهم أحضروا شاهدا من المحكمة القريبة منهم، فيقضي فيها بما يقضيه ويعطونه أجرته، وهو يكتب التوثيق أو حجة المبايعة أو التوريث، ويجمع العدة من الأوراق في كل جمعة أو شهر، ثم يمضيها من القاضي، ويدفع له معلوم القضاء لا غير، وأما القضايا لمثل العلماء والأمراء فبالمسامحة والإكرام، وكان القضاة يخشون صولة الفقهاء، وقت كونهم يصدعون بالحق ولا يداهنون فيه، فلما تغيرت الأحوال وتحكمت الأتراك وقضاتها، ابتدعوا بدعا شتى، منها إبطال نواب المحاكم، وإبطال القضاة الثلاثة بخلاف مذهب الحنفي، وأن تكون جميع الدعاوي بين يديه ويدي نائبه، وبعد الانفصال يأمرهم بالذهاب إلى كتخداه لدفع المحصول، فيطلب منه المقادير الخارجة عن المعقول، وذلك خلاف الرشوات الخفية، والمصالحات السرية، وأصناف التقرير والقسمة لنفسه، ولا يلتزم بها أحد من الشهود كما كان في السابق، وإذا دعي بعض الشهود لكتابة توثيق أو مبايعة أو تركة فلا يذهب إلا بعد أن يأذن له القاضي، ويصحبه «بجوقة دار» ليباشر القضية وله نصيب أيضا، وزاد طمع هؤلاء «الجخدارية» حتى لا يرضون بالقليل كما كانوا في أول الأمر، وتخلف منهم أشخاص بمصر عن مخدوميهم، وصاروا عند المتولي لما انفتح لهم هذا الباب.
وإذا ضبط تركة من التركات وبلغت مقدارا، أخرجوا للقاضي العشر من ذلك ومعلوم الكاتب والجوخدار والرسول، ثم التجهيز والتكفين والمصرف والديوان، وما بقي بعد ذلك يقسم بين الورثة، فيتفق أن الوارث واليتيم لا يبقى له شيء، ويأخذ من أرباب الديون عشر ديونهم أيضا، ويأخذ من محاليل وظائف التقارير معلوم سنتين أو ثلاث، وقد كان يصالح عليها بأدنى شيء وإلا إكراما، وابتدع بعضهم الفحص عن وظائف القبانية والموازين وطلب تقاريرهم القديمة، ومن أين تلقوها، وتعلل عليهم بعدم صلاحية المقرر، وفيها من هو باسم النساء ولسن أهلا لذلك، وجمع من هذا النوع مقدارا عظيما من المال، ثم محاسبات نظار الأوقاف، والعزل والتولية فيهم والمصالحات على ذلك، وقرر على نصارى الأقباط والأروام قدرا عظيما في كل سنة بحجة المحاسبة على الديور والكنائس، ومما هو زائد الشناعة أيضا أنه إذا ادعى مبطل على إنسان دعوى لا أصل لها، بأن قال ادعى عليه بكذا وكذا من المال وغيره كتب المقيد ذلك القول، حقا كان أو باطلا، معقولا أو غير معقول، ثم يظهر بطلان الدعوى أو صحة بعضها، فيطالب الخصم بمحصول القدر الذي ادعاه المدعي، أو سطره الكاتب، يدفعه المدعى عليه للقاضي على دور النصف الواحد، أو يحبس حتى يوفيه، وذلك خلاف ما يؤخذ من الخصم الآخر، وحصل نظيرها لبعض من هو ملتجئ لكتخدا بك فحبس على المحصول، فأرسل الكتخدا يترجى في إطلاقه والمصالحة عن بعضه فأبى، فعند ذلك حنق الكتخدا وأرسل من أعوانه من استخرجه من الحبس. ومن الزيادات في نغمة الطنبور كتابة الإعلامات، وهو أنه إذا حضر عند القاضي دعوى بقاصد من عند الكتخدا أو الباشا يرجع به مع القاصد تقييدا أو إثباتا، فعند ذلك لا يكتب له ذلك الإعلام إلا بما عسى لا يرضيه، إلا أن يسلخ من جلده طاقا أو طاقين، وقد حكمت عليه الصورة وتابع الباشا أو الكتخدا ملازم له يستعجله، ويساعد كتخدا القاضي عليه، ويسليه على ذلك الظفر والنصرة على الخصم، مع أن الفرنسيين الذين كانوا لا يتدينون بدين لما قلدوا الشيخ أحمد العريشي القضاء بين المسلمين بالمحكمة، حددوا له حدا في أخذ المحاصيل لا يتعداه، بأن يأخذ على المائة اثنين فقط، له منها جزء وللكتاب جزء، فلما زاد الحال وتعدى إلى أهل الدولة رتبوا هذه الجمعية، فلما تكاملوا بمجلس بيت البكري، كتبوا عرض محضر، ذكروا فيه بعض هذه الأحداث والتمسوا من ولي الأمر رفعها، ورجوا من المراحم أن يجري القاضي، ويسلك في الناس طريقا من إحدى الطرق الثلاث، أما الطريقة التي كان عليها القضاة في زمن الأمراء المصريين، وأما الطريقة التي كانت في زمن الفرنسيين، أو الطريقة التي كانت أيام مجيء الوزير، وهي الأقرب والأوفق، وقد اخترناها ورضيناها بالنسبة لما هم عليه الآن من الجور، وتمموا العرض محضرا، وأطلعوا عليه الباشا، فأرسله إلى القاضي، فامتثل الأمر، وسجل بالسجل على مضض منه، ولم تسعه المخالفة.» ا.ه.