تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

177

أما مصر قبل أن يستقل بها محمد علي فكانت حالتها الإدارية مختلة، ومن أحب أن يتعرف حقيقتها كما هي، فعنده منها قدر كاف في تاريخ الجبرتي،

178

يرى فيه صورة بشعة من بلاد هي على الدوام عرضة لفتن الصناجق والآغوات والبلوكات وجميع الوجاقات، والفتن بين الفقارية والقاسمية يقتل فيها الناس وتحرق دورهم، وتصادر أموالهم حتى أصبح دم الإنسان كفاء دم كلب أو هر، وعمت «الرشا والتحيل على مصادرة بعض الأغنياء في أموالهم» «حتى صارت سنة مقررة وطريقة مسلوكة ليست منكرة، وكذلك المصالحة على تركات الأغنياء التي لها وارث»، ويقبضون «على كثير من مساتير الناس والتجار والمتسببين» يحبسونهم ويصادرونهم ويسلبون ما بأيديهم، وتتواتر المصادرات والمظالم من الأمراء، وانتشار أتباعهم في النواحي لجبي الأموال من القرى والبلدان وإحداث أنواع المظالم، ويسمونها مال الجهات ودفع المظالم والفردة حتى أهلكوا الفلاحين، وضاق ذرعهم واشتد كربهم، «وطفشوا» من بلادهم فحولوا الطلب على الملتزمين، وبعثوا لهم المعينين إلى بيوتهم، فاحتاج مساتير الناس لبيع أمتعتهم ودورهم ومواشيهم بسبب ذلك، مع ما هم فيه من المصادرات الخارجة عن ذلك، وتتبع من يشم فيه رائحة الغنى، فيؤخذ ويحبس ويكلف أضعاف ما يقدر عليه، وتوالي طلب السلف من تجار البن والبهار عن المكوسات المستقبلة، ولما تحقق التجار عدم الرد عوضوا خساراتهم من زيادة الأسعار، ثم مدوا أيديهم إلى المواريث، فإذا مات الميت أحاطوا بموجوده - سواء كان له وارث أو لا - وصار بيت المال من جملة المناصب التي يتولاها شرار الناس بجملة من المال يقوم بدفعه كل شهر، ولا يعارض فيما يفعل في الجزئيات، وأما الكليات فيختص بها الأمير، فحل بالناس ما لا يوصف من أنواع البلاء، إلا من تداركه الله برحمته واختلس شيئا من حقه، فإن اشتهروا عليه عوقب على استخراجه. وفسدت النيات، وتغيرت القلوب، ونفرت الطباع، وكثر الحسد والحقد في الناس بعضهم لبعض، فيتتبع الشخص عورة أخيه، ويدلي بها إلى الظالم، حتى خرب الإقليم، وانقطعت الطرق، وعربدت أولاد الحرام، وفقد الأمن، ومنعت السبل إلا بالخفارة، وركوب الغرر، وجلت الفلاحون من بلادهم من الشراقي والظلم، وانتشروا في المدينة بنسائهم وأولادهم يصيحون من الجوع، ويأكلون ما يتساقط في الطرقات من قشور البطيخ وغيره، فلا يجد الزبال شيئا يكنسه من ذلك.

قال هذا الجبرتي في حوادث سنة ثمان وتسعين ومائة وألف وختمه بقوله: «وضاع الناس بين صلحهم وغبنهم، وخروج طائفة ورجوع الأخرى، ومن خرج إلى جهة قبض أموالها وغلالها، وإذا سئل المستقر في شيء تعلل بما ذكر، ومحصل هذه الأفاعيل بحسب الظن الغالب، إنها حيل على سلب الأموال والبلاد.» وقال في حوادث سنة سبع ومائتين وألف: «استهل المحرم بيوم الخميس والأمر في شدة من الغلاء وتتابع المظالم وخراب البلاد وشتات أهلها، وانتشارهم بالمدينة حتى ملئوا الأسواق والأزقة رجالا ونساء وأطفالا، يبكون ويصيحون ليلا ونهارا من الجوع، ويموت من الناس في كل يوم جملة كثيرة من الجوع.» وقال في حوادث سنة تسع ومائتين وألف: «لم يقع بها شيء من الحوادث الخارجية سوى جور الأمراء وتتابع مظالمهم، واتخذ مراد بك أمير الإنكشارية الجيزة سكنا وزاد في عمارته واستولى على غالب بلاد الجيزة، بعضها بالثمن القليل، وبعضها غصبا، وبعضها معاوضة.» وقال في حوادث سنة عشر ومائتين وألف: «لم يقع بها شيء من الحوادث التي يعتنى بتقييدها سوى مثل ما تقدم من جور الأمراء والمظالم.» وكانت الفتن بين الإنكشارية في الريف والعاصمة متصلة، وقد تستولي طائفة على الوجه البحري وأخرى على الوجه القبلي، فتتحاربان وينضم الهوارة والعربان إلى أحد الفريقين والناس بينهما في أمر مريج «من الظلم والفجور والفسق بأهل الريف والعسف بهم وتكليفهم الكلف الشاقة.»

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٩٣