والظاهر أن العقلاء من رجال العثمانيين في كل عصر أمثال جاندارلي وأوره نوس وميخال أوغلي، ثم صوقوللي وكوبرلي ونظرائهم حتى الذين أدركناهم من الوزراء، كان همهم الأعظم موجها في الأعم الأغلب إلى سياسة الدولة، ودفع صائل الغربي عنها أيام الضعف، والتوسع في فتح بلاد جديدة أيام القوة، وقلما كانوا يهتمون بتطهير المملكة من أهل الفساد، ولا ينفذون من ناموس الإدارة ما يخففون به فقر البلاد وبؤسها، فتركوا الأهلين يعملون ما شاءوا إذا أدوا ما عليهم لخزانتها. وليس من شك أن مصر والشام وسائر بلاد العرب كانت في الفتح العثماني قد ضعفت تجارتها لاستئثار البرتقاليين بتجارة الهند،
176
فأصبحت هذه البلاد بمعزل عن حركة الأسواق وقل سكانها، وكان فتح سليم الأول نافعا لها كما قالت معلمة الإسلام من الوجهتين الدينية والسياسية؛ لأنه أنشأ دولة سنية قوية أمام دولة الفرس الشيعية، فتراجع التشيع أمام التسنن. ونحن نقول: إن البلاد شاركت في حظ مملكة لا تبطل حروبها وفتنها، وولاتها لا يعرفون ما يصلحها، فتراجعت تراجعها، وانحلت أوضاعها علاوة على ما كانت منيت به من الانحلال.
مثال من عجز الدولة وأن نسبة الإخفاق إلى معاكسات الأجانب غير صحيحة دائما، أنها كانت إذا أعلنت حربا أو أرادت إطفاء فتنة داخلية، يموت من جندها ورعاياها بالأمراض والإهمال أكثر ممن يموت بالسيف والنار؛ وذلك لأنها كانت ترسل ابن البلاد الباردة إلى البلاد الحارة والعكس بالعكس، فيهلك الخلائق بالألوف، يهلكون بقلة التدبير والبصيرة، والمملكة لا طرق لها، وليس للجند مآكل مغذية كافية ولا ألبسة دافئة، ولا شيء من أسباب الصحة مما تحفظ به حياة الآدميين، شوهد ذلك في معظم أدوار السلطنة، وما استطاع قائد ولا صدر ولا وال أن يدخل الإصلاح المطلوب على هذا الخلل الممكن تلافيه، وأنت ترى أنه يحتاج إلى عقل يميز ويقدر، وأيد تحب أن تعمل أكثر من احتياجه إلى المال، وندر جدا من عمال السلطنة من كان ينظر لمصلحتها الحقيقية، كما عز من لم يكن هدفه من عمله غير جمع المال يعمر به على الأقل قصرا في أرباض العاصمة، ويترك لأسرته ثروة.
كان الفلاحون إذا ضاقت بهم الحال في قريتهم، واشتط عليهم المتغلبون وأرباب المقاطعات، يهجرونها إلى قرية بعيدة في إقليم آخر، ففقد الاستقرار، وقد تتعطل الزراعات سنة وربما سنين، ولا يداوي أرباب القرى ما يقعون فيه إلا باستعمال السياط وضبط الفرش والماعون، وأحيانا ضبط النساء والأولاد، وجاء زمان والفلاحون ينزلون برضاهم عن أرضهم إلى الكبراء؛ لأنهم لا يستغلون منها ما يفي بالضرائب الموضوعة عليها؛ بل أتى دهر وأرباب النفوذ إذا غضبوا على إنسان يأتون بشاهدين يشهدان عليه أنه عبدهم فيسترقونه، وجاء زمن وأعراب البادية يتقاضون حتى من المدن «خوة» أو مالا سنويا، ولهم على كل قرية مبلغ أو إتاوة سنوية، وإلا رعوا الزروع وقطعوا الأشجار وخربوا المساكن وقتلوا الأنفس.
أما ظلم الولاة فهو القاعدة المطردة في الغالب، ومنهم من كانوا يقتلون المارة يتصيدونهم في الطرق، كما كان يتصيد الإنكشارية الأبرياء من الناس ليجربوا بنادقهم، وقد وقع لوالي حلب أنه كان يغتال كل يوم في الشوارع بضعة رجال من أبناء السبيل، ولما سئل عن الداعي إلى القتل قال: إنه يحب إلقاء الرهبة في النفوس، ويريد بعمله أن يجعل للحكومة هيبة ووقارا! وظلم الملوك قد يصل إلى أبلغ من هذا، فقد قتل السلطان سليم أهل الرملة (رملة فلسطين) بأجمعهم، وأصدر ابنه سليمان أمره بقتل أهل حلب عن آخرهم، فحال الصدر الأعظم دون إنفاذ هذه الإرادة الخرقاء، واكتفوا بقتل من غضب عليهم السلطان. وعجيب مع هذه الإدارة الحمقاء أن يبقى إنسان في الأرض العثمانية يزرع ويصنع ويتجر.