تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان من الإصلاحات التي قام بها الوزير رشيد بعد سنة 1255ه، وضع أصول جديدة لإدارة الولايات على قاعدة المركزية، ثم توسعت بعد حين وجرى تعديلها والعمل بها إلى آخر أيام السلطنة، وأنشئت القوانين العدلية - الحقانية - ومنها قانون التجارة، وأسست المحاكم ومنها المحاكم المختلطة، للاختلال المشهود في المحاكم الأهلية، ونقل قانون الجزاء إلى التركية، ووضعت مجلة الأحكام العدلية مأخوذة من كتب المذهب الحفني مذهب الدولة، ثم أنشئت وزارة المعارف والجامعة (1845)، ثم المدارس المنوعة المقاصد في دار الملك، ولم تثمر هذه الإصلاحات إلا في أواخر القرن التاسع عشر، وجنى من ثمرتها الأتراك أكثر من العنصر العربي.

وبهذه القوانين والإصلاحات وإن لم تنفذ كلها دخلت السلطنة في عداد الأمم الممدينة، وزاد توغل الأجانب في البلاد وإشرافهم على سير الحكومة فيها، وتيسر لهم نيل امتيازات لشركات من رعاياهم استولت على اقتصاديات البلاد وطرق مواصلاتها، وأنشأوا يبشرون فيها بالنصرانية ويحببون إلى المتعلمين لغاتهم، فزاد بذلك التباين بين المسلمين وغيرهم، وكثر بغض العناصر غير المسلمة للعناصر المسلمة، وكان من هذا التعليم بلاء على الأرمن خاصة، وكان الروم والبلغار والصرب والرومان باكروا الاستقلال في ولاياتهم، وكان تعليم أفراد منهم من العوامل المفيدة في تحقيق أمانيهم القومية، ومهما قيل في الداعي لتسلل أصابع الدول الغربية إلى المسائل العثمانية وفي اشتطاطها عليها في الأحايين، فإنه مما لا جدال فيه أن الإدارة العثمانية كانت في معظم أدوارها مختلة على ما اعترف بذلك علماء الاجتماع والتاريخ والسياسة من الترك أنفسهم، وظهر في القرن الماضي الفرق بين إدارة بلاد الغرب وإدارة العثمانيين، وكانت مساحة بلاد الدولة لا تقل عن نصف أوروبا بعد القرنين السادس عشر والسابع عشر، وتجلى البون الشاسع بين أمة جامدة أو مجموعة شعوب جامدة مشتتة أهواؤهم، لا وازع يضم شملهم، وبين أمم متوحدة تتحرك وتتكلم وتعاود نظمها بالحذف والإثبات، وتسير مع العقل في إقامة بنيان ممالكها.

كان منشأ كل وهن دخل في جسم السلطنة، وعبث بكيان سكانها من تبلبل الإدارة في ولاياتها، وكانت البلاد ولا سيما مصر والشام في عهد المماليك البحرية والبرجية أرقى مما صارت إليه في عهد العثمانيين؛ لأن البلاد كانت مجموعة الشمل في الجملة، وكان التركي يعيش ببقايا مدنيات الدول السالفة، فأكل من ثمراتها حتى نفدت، وهلك لما أتى على الأخضر واليابس، وما حدثته نفسه أن يحدث غرسا، ولا أن يطرح زوانا وعوسجا. والدولة ما فكرت في غير الاحتفاظ بحقوق سيادتها، وما خطر لها أن تحنو على رعاياها فتعطيهم بعض ما تأخذه منهم، وبدخول الأتراك العثمانيين في بلاد العرب نامت هذه نومة غير هادئة، واستشرى فيها الفساد وكثرت المغارم، واشتط سلطان المتغلبين وعيث البادية، فزادت مساحة القفار من البلاد زيادة فاحشة، وخلت القرى من سكانها، وهام مئات الألوف على وجوههم في أقطار الأرض، يطلبون الرزق ويفرون من الظلم ، وكانت الدولة إذا غضبت على أحد أرباب المقاطعات ترسل عليه حملة يكون أول عمل لها في التأديب قطع أشجار المقاطعة وتخريب بيوت سكانها، فزادت البلاد بهذا التدبير للتدمير خرابا فوق خرابها؛ فقد كان مثلا في أعمال حلب ثلاثة آلاف ومائتا قرية تدفع الخراج قبل استيلاء العثمانيين، فنزل عددها إلى أربعمائة في عهدهم، وكان في غوطة دمشق

175

أواخر عهد المماليك ثلاثمائة وخمسون قرية لا تزال أكثر دمنها ظاهرة وبعض أسمائها متعارفة، ولما غادر الترك البلاد كان في الغوطة نحو ستين قرية فقط، وهكذا يقال في عامة الأقطار.

أدرك عظماء السلطنة عاقبة هذه الأمراض على الدولة، وكانوا يزعمون كلما تذرعوا بالإصلاح أن الصدمات تأتيهم من الداخل والخارج، والحقيقة أنهم كانوا عاجزين عجزا مطلقا، وكسالى لا يحبون التعب. عرف رجال الدولة في العهد الأخير أمثال رشيد وعالي وفؤاد ومدحت وكامل وسعيد مواطن الداء، ولكنهم ما وفقوا قط إلى وصف الدواء الناجع، وكان الوزير رشيد كثيرا ما يردد قوله: إن المملكة العثمانية إما أن تصلح نفسها وإما أن تنقرض، وكيف لا نقول بعجزها، والقضاء كان كالسلع يوضع في السوق، فمن دفع الثمن الأعلى تولاه، ولو كان فيه جميع العيوب الشرعية، أسسوا منذ سنة 1272ه في العاصمة مدرسة للنواب - أي القضاة - ولكنهم ظلوا إلى آخر أيامهم يوسدون القضاء إلى الأميين والساقطين، وكيف يقيم العدل بين الناس من دفع ثمن قضائه، والقضاء إلى عهد قريب كان مرجع كل شيء.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٩١