تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نشأت صعوبات جمة من تطبيق القانون الجديد المنقول عن القوانين الفرنسية، والمقصود منه أولا إرضاء الدول الأوربية التي اشتد تدخلها في خصوصيات السلطنة بحق وبلا حق ؛ ذلك لأن قانون أمة وهو زبدة تاريخها ومحيطها وعاداتها ومصطلحاتها، يصعب تطبيقه على أمة أخرى ليس لها مثل نزعاتها ومدنيتها، ورب قانون لأمة راقية يتعذر إنفاذه في أمة منحطة ويضر في كيانها أكثر مما ينفعه، وخاصة إذا كانت منوعة الشعوب والمدنيات واللغات والأجواء كالعثمانيين؛ فلقد حاذر غير المسلمين مساواتهم بالمسلمين في هذا القانون الجديد، لئلا يفقدوا جانبا مما كانوا يتمتعون به من الحقوق منذ عهد الفاتح، ومنها إعفاؤهم من الخدمة العسكرية، وإمتاع كنائسهم بحق الاشتراع لطوائفهم، وإطلاق حريتهم في تنظيم شئونهم الملية، فكثر الاعتراض من كل جانب، وكان النصارى بعد عهد الإصلاحات يتمتعون بكل ما فيها من مرافق ويبعدون عما فيها من متاعب؛ لأن الدول عاونتهم على مطالبهم، وقالت للدولة أنت وشأنك مع المسلمين. قال ريشاروود: «أما اعتراض المعترض بأن المساواة بين الطوائف غير كاملة ما دام النصارى لم يشتركوا في الجندية العثمانية، فجوابنا عنه: أن الذنب في ذلك على النصارى أنفسهم عليه لا على الباب العالي؛ إذ النصارى مع حرصهم على نيل كل الحقوق لم يقبلوا أن يدخلوا تحت ما يقابلها من الواجبات.»

كان للأجانب من قانون الامتيازات الأجنبية أعظم وسيلة لتدخل وكلاء الدول في أمور الدولة بحجة النظر في حقوق رعاياهم. وقد دعا إلى تمتع الغرباء في بلاد السلطنة العثمانية بهذه الامتيازات اعتياد الحكومات

173

الإسلامية منذ القديم التساهل مع النصارى في بلادها، فأجازت لهم عدم اتباع الأحكام المرعية، وتركتهم يتقاضون في أحوال مخصوصة بحسب قواعد دينهم والمعمول به من قوانينهم، فأصبحت هذه العادة قانونا نافذا مع الزمن، وبكثرة الاختلاط وتمكن العلائق أضحى هذا التسامح حقا لهم لا يحتمل النزاع، ومن هذه الامتيازات ما بني على معاهدة كمعاهدة صلاح الدين مع الجمهورية بيزا (569-1172)، وبها منحت عدة امتيازات خاصة بالتقاضي، ومعاهدة قايتباي (1488م) مع الفلورنتيين الطليان، وقد جاء فيها أنه إذا حدث خلاف بين الفلورنتية أنفسهم، فليس لقضاة المسلمين وحكامهم أن ينظروا في مسائلهم، والحكم في ذلك لقنصل الفلورنتيين، يحكم في هذه الحالة بما يناسب القوانين الفلورنتية، وجرى التوسع في العمل بهذه المعاهدات، حتى عمت جميع رعايا الدول النصرانية، ثم أهمل العمل بها مدة، فلما جاءت الدولة العثمانية عقدت معاهدة تجارية بين سليمان الأول وفرنسوا الأول ملك فرنسا في سنة 1535؛ لضمان أرواح الفرنسيس وتجارتهم، وكان البنادقة عقدوا مثل هذه المعاهدة، فأصبحت لهم امتيازات وحقوق مكتسبة، وعقدت معاهدة بين محمود الأول ولويس الخامس عشر ملك فرنسا في سنة 1740م، وبها غدت فرنسا صاحبة الشأن الأول في حماية رعاياها وجميع من يلتجئون إليها من الأجانب. وجرت الدول على سياسة فرنسا في عقد مثل هذه المعاهدات ولا سيما روسيا، وأخذت الامتيازات تزداد شيئا فشيئا بمساعي الدول من جهة، وبإهمال الحكومات الشرقية من جهة أخرى، وبإقرارها بعض عادات كانت خارجة عن نصوص المعاهدات.

وعلى هذا عاق قانون الامتيازات الأجنبية تطبيق الإصلاحات التي أزمع رجال الدولة القيام بها، لمكان الغرباء ممتعين بامتيازات دون غيرهم؛ ولأن النصارى من أهل البلاد يريدون ألا يسري عليهم من أحكام القانون الجديد إلا ما يروقهم ويتفق وراحتهم، وهذا مما ينافي وجهة نظر الإصلاح المطلوب منه حصر كل سلطة بالدولة،

174

ونتجت من قانون «التنظيمات الخيرية» أعظم المشاكل المعقدة، فأنشأت الدول تتدخل في أمور السلطنة، ومن جملتهن المقام البابوي في رومية، يريد إمتاع المدارس الكاثوليكية ورهبانها بامتيازات تحميهم وتهيئ لهم أسباب التبشير بدينه.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٩٠