ومن القواعد التي لا تتخلف كثيرا في دار الملك أن كل رجل تحدث له بعض قوة، وتنطوي نفسه على شيء من حب المغامرة، يستجيش له أناسا من الغوغاء، ويؤلف له حزبا يستغويه بالوعود الخلابة، فلا يلبث أن يستولي على الأمر، ويشرد سلفه أو يقتله وبعض كبار حاشيته، تشتد شكيمة القوى مدة فيحكم ويتبسط في سلطانه، حتى يقوم أقوى منه فيسقطه ويتبوأ مكانه، ويخرب ما عمله سلفه من أعمال، وينهج غير نهجه في الإدارة، ولا شأن له غير ابتزاز الأموال وإسكات الناس عن الخوض في أمور الدولة، ومن جرؤ على أمر بمعروف ونهي عن منكر يشرد ويضطهد، ويتهم بعظائم ما دارت له في خلد، وقد تكون دعوته لإزالة شر أو لبث فكرة يكون من أثرها إصلاح سلطانهم، فيتهمونه بالجنون أو المروق من الدين، أو بدعوى النبوة أو الألوهية، أو أنه يدعو إلى أن يكون النساء مشتركات بين الناس، ويحلل ما حرم الله إلى غير ذلك من الأكاذيب؛ ليصرفوا أذهان العامة والخاصة عن حقيقته، حتى لا يأسف الخلق عليه، ولا ينصروه إن أمكنهم نصره.
قالوا: إن سليمان القانوني أصلح إدارة المملكة، ووضع قواعد لإدارة الدولة في داخليتها، وكان
171
أجداده وضعوا أساس هذه الأصول فكملت في عهده، ووضع قوانين لتنظيم إقطاعات الجند وملكية الأرضين ونظام الشرطة وقانون العقوبات، وقوانين للانتفاع من العناصر غير المسلمة في الدولة كقانون اللقطاء، وبه أصبحت الوظائف السامية في الدولة تسند إلى من دانوا بالإسلام حديثا، وفي أيامه نبغ محمد الصوقللي، وخير الدين بربروس، والعالم ابن كمال، والمهندس سنان، وأن كل واحد منهم عمل في محيطه الخاص، ولكنهم لم يوحدوا جهودهم وما وجهوها إلى هدف واحد. قالوا هذا وما نخال أنه ظهر أثر محسوس في الولايات العربية بإصلاحه، وكأن من حكموا هذه الأحكام خدعتهم قوانين جميلة سطرت على الورق فقط.
تقدم معنا أن جيش الإنكشارية بدأ انحطاطه من عهد مراد الثالث، وقد رأيناه في عهده الأخير أعظم عابث في الولايات بحياة الرعية، يقتل بعضه بعضا ويقتتل مع الطبقات العسكرية التي أنشئت بعد مثل السكبان والقبوقولي والدالاتية، وكم من فتنة حدثت بين هذه الطبقات من الحاميات، وكان معظم ضرره أيام السلم يتناول أبناء الأمة، ويسلب قرارها، ويبتز أموالها، ويسطو على النساء والولدان فزاد بجبروته في شقاء البلاد، ويضاف إلى ذلك أن معظم الموظفين والضباط لا يقبضون رواتبهم كل شهر، وإذا قبضوها لا تقوم بحاجتهم، فيرجعون أبدا على جيوب ضعاف السكان يسددون منها العجز، وليس للدولة موازنة ثابتة تعرف بها دخلها من خرجها، إن جاءتها أموال ومغانم في بعض السنين أسرفت فيها، فإذا أحست الضائقة تمسك عن دفع مشاهرات عمالها والإنفاق على جندها فينهالون على الخلق، ويكاد يكون معظم أموال الجباية خاصا بحاشية السلطان وقصره يحمل منها إلى خزانته ما يحب ويهوى.
شعر كثير من المنورين في دار الملك بسوء حال الدولة وأيقنوا أنها إذا لم تصلح إدارتها يتداعى هذا الملك العظيم، وكان معظم من يهتمون لذلك من طبقات العمال والموظفين، وما برحوا يقدرون ويعملون حتى نشرت الدولة في سنة (1255ه/1839م) خطة «كلخانة» في الإصلاحات، حمل السلطان عليها رجال الدولة، وقيل جاءهم الإيعاز بها من بعض الدول الحريصة على بقائها، وهذا الخط عبارة عن إعلان
172
من السلطان يذكر فيه أنه وطد العزم على إنقاذ أعراض عامة رعاياه وأموالهم، وأن يبطل تلزيم الجباية، وأن يكون التجنيد في الجيش على طريقة منظمة، وأن يحاكم المجرمون جهرة في محاكم معينة، وأن يكون جميع الرعية - أهل الإسلام والملل الأخرى - أحرارا أمام القانون، من غير استثناء، وقد ورد في أوله أن سبب نجاح الدولة العثمانية في القديم إنما هو رعايتها أحكام القرآن، وجاء في آخره أنه يراد من هذا القانون القضاء على العادات القديمة.