تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا كعبد لهم في شكل معبود

مؤلهون عليهم من نحائتهم

بعض المعادن أو بعض الجلاميد

مستكبرون أباة الضيم غر نهى

ثقال بطش لدان كالأماليد

لا ينزل الرأي منهم في تفرقهم

إلا منازل تشتيت وتبديد

ولا يضم دعاء من أوابدهم

إلا كما صيح في عفر عبابيد

ولا يطيقون حكما غير ما عقدوا

لذي لواء على الأهواء معقود

بأي حلم مبيد الجهل عن كثب

وأي عزم مذل القادة الصيد

أعاد ذاك الفتى الأمي أمته

شملا جميعا من الغر الأماجيد

لتلك تالية الفرقان في عجب

بل آية الحق إذ يبغى بتأكيد

صعبان راضهما توحيد معشرهم

وأخذهم بعد إشراك بتوحيد

وزاد في الأرض تمهيدا لدعوته

بعهده للمسيحيين والهود

وبدئه الحكم بالشورى يتم بها

ما شاءه الله عن عدل وعن جود

هذا هو الحق والإجماع أيده

فمن يفنده أولى بتفنيد

يقول ابن حزم:

5 «إن العرب كانت أقواما لقاحا لا يملكهم أحد كمضر وربيعة وإياد وقضاعة، أو ملوكا في بلادهم يتوارثون الملك كابرا عن كابر فانقادوا كلهم لظهور الحق وآمنوا برسول الله، وهم آلاف آلاف وصاروا أخوة كبني أب وأم، وانحل كل من أمكنه الانحلال عن ملكه منهم إلى رسله طوعا بلا خلاف غزو ولا إعطاء مال ولا مطمع في عز، بل كلهم أقوى جيشا من جيشه وأكثر مالا وسلاحا منه وأوسع بلدا من بلده، وهكذا كان إسلام جميع العرب أولهم كالأوس والخزرج ثم سائرهم قبيلة قبيلة، لما ثبت عندهم من آياته وبهرهم به من معجزاته، وما اتبعه الأوس والخزرج إلا وهو فريد طريد، قد نابذه قومه حسدا له؛ إذ كان فقيرا لا مال له، يتيما لا أب له ولا أخ ولا ابن أخ ولا ولد، أميا لا يقرأ ولا يكتب نشأ في بلاد الجهل، يرعى غنم قومه بأجرة يتقوت بها، فعلمه الله الحكمة دون معلم وعصمه من كل من أراد قتله.»

ويقول ماكس

6

مولر المستشرق الألماني: «سوف يعلم النصارى، والدهشة آخذة منهم، أن محمدا من أنصار المسيح، وأن الديانة المحمدية هي من فروع النصرانية، وإذ ذاك يدهش المسلمون والنصارى على السواء بما جاء في تاريخهما من الخصام والشقاق والعداء بسبب الدين.» وقد وافق كثير من علماء المشرقيات في أوروبا على رأي هذا العالم وعضدهم في ذلك كثير من الروس العقلاء أرباب الأفكار السامية، أمثال فلاديمير سولوفيف وبيتروف وغيرهما، ويقول برنارد شو من كبار كتاب الإنجليز المعاصرين: «لا يمضي مائة عام حتى تكون أوروبا ولا سيما إنجلترا قد أيقنت بملاءمة الإسلام للحضارة الصحيحة.»

هذا، والأديان في جوهرها واحدة تأمر بالخير، وتدعو إلى مكارم الأخلاق، وتدفع الناس بعضهم عن بعض في هذه الحياة؛ ليقوم نظام اجتماعهم على ما ينزع من صدورهم الأحقاد والتعادي، وحب القتل وسلب المال وهتك العرض، وتشعر قلوبهم الرحمة والعطف على الأسير العاني والشيخ الفاني واليتيم والبائس، والابتعاد عن كل ظلم واعتداء، وتذكرهم بأن لهم معادا ثانيا يثاب فيه المؤمن المحسن ويعاقب فيه من يجترح شيئا من السيئات يكون فيها تقويض أركان المجتمعات.

القرآن والإسلام

اشتد متعصبة الشعوبية في الحط من القرآن الكريم، وقالوا وهم الأعاجم الذين يصعب على أكثرهم أن يتفهموه ويتدبروه: إنه غير منظم ولا مبوب وإنه محتذى ومنقول، وإنه زيف مدخول، وإنه غير بليغ ولا فصيح، وبلغت القحة ببعضهم أن قالوا: إن فيه أغلاطا نحوية، وركاكات بيانية. هذا والقرآن أبلغ كتاب للعرب، ولولاه لما كان لهم أدب ولا شريعة:

كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا ، عجز فصحاء العرب عن الإتيان بمثله مع أنهم خصوا بالتحدي،

7

وكان للفصاحة عندهم المقام الأرفع، فاعترفوا بعد جدال طويل: «أن

8

نظم القرآن على تصرف وجوهه، واختلاف مذاهبه، خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه على أساليب الكلام المعتاد»، جعله

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٨