165
وقد يبلغ دخل الوالي في يوم واحد من أيام الوباء من مائتي ألف إلى ثلاثمائة ألف ريال، لهلاك من يمتلكون القرى؛ ذلك لأن قوانين الحكومة تقضي برجوع ملكية المزارع إلى الخليفة بعد وفاة أصحابها. وفي تقرير لأحد قناصل البندقية أن منصب الوالي عند العثمانيين كان يكلف في الآستانة من 80 إلى 100 ألف دوكا، ومنصب الدفتردار يباع من 40 إلى 150 ألف دوكا، ومنصب القاضي يساوي أقل من هذه القيمة.
166
كانت إدارة الحكومة المدنية والمالية في مصر بيد المماليك، وإليهم توزيع الأعطيات والأرزاق على الجنود، فأصبح هؤلاء تبعا لهم بحكم الروابط المدنية، ثم صار رؤساء «الوجاقات»،
167
وأغلب ضباطها من المماليك فانحصرت السلطة العسكرية والمدنية في أيديهم، واتصل ضباط الوجاقات وأفرادها بالمماليك بأواصر المصاهرة ولحمة القربى، فأصبحوا من حزبهم وأهلهم وعشيرتهم وأتباعهم، بعد أن كانوا مستعدين لحربهم وإخضاعهم، فاضمحلت سلطة الولاة العثمانيين، وعظم نفوذ البكوات المماليك واسترجعوا على الزمن سلطة الحكم التي كانت للسلاطين البحرية والشراكسة، والأمة في ذلك طعمة للملتزمين والغاشمين من الموظفين، فانصرفت عن الزراعة وتعطلت الأعمال، وهبطت قيمة الأرض فقلت الجباية، وخولت طريقة التلزيم للملتزمين سلطة مطلقة على الفلاحين، يفرضون على أملاكهم ما شاءوا وشاءت أهواؤهم من الضرائب والإتاوات، والملتزم حر بنقل الفلاح ونزع يده عن الأرض، ونظام الالتزام يشبه نطام الإقطاعات الذي رزحت أوروبا تحته قرونا، وكانت أموال الرعايا وأعراضهم وأرواحهم مباحة لصاحب المقاطعة، وإذا زاد نفوذه ينزع إلى الثورة، فيبدأ بمنع الخراج عن الدولة، وتضطر إلى إرسال حملة عليه، ويبقى السكان بين نارين، نار الثائر ونار القائمين بكبح جماحه، وكم من فتنة أوقدها العمال ليشغلوا الناس والدولة، وتبقى لهم الحكومة يستمتعون بها مديدة.
والقاعدة في إدارة العثمانيين أن يكذب الوالي على من نصبه على الأكثر، ويكذب على من يحتفون به، ويلقي التفرقة بين أرباب النفوذ والمتغلبين، وبين أبناء العناصر والأديان، ويتفنن في طلب المال لتسديد حسابه مع الآستانة، ولا يتولى الولاية إلا من تروق الآستانة شروطه من بين من دخل من الطالبين لها في سوق المزايدة، ويسارع إلى تبديل العمال حتى يتم لرجال العاصمة ما يطمعون فيه من المال، ومن يوقن أنه مهدد كل حين بالعزل، وعليه إتاوة يجب عليه دفعها، وهدايا ورشاوى لا بد من تقديمها، لا يتوفر في الغالب على غير نهب الرعية وسرقة أموال الدولة. يقول جودت
168
في حوادث سنة 1200ه: «إن وظيفة جابي المال في حلب كانت منذ أربعين سنة مطمح أنظار الموظفين في الدولة؛ لأنها تعود عليهم بثروات طائلة، إذا حملوها إلى الآستانة ينالون بها رتبة الوزارة ورتبة ميرمران، جرى ذلك لأحمد باشا (الجزار)، فأخذ العلم والطوخ
169
واشتهر شهرة عظيمة، وما برحت هذه الوظيفة تباع وتشترى بالمزاد، وكثيرا ما كانت الدولة ترسل مفتشين يشاركون في المغنم هؤلاء المرتشين من الجباة.»
170
وأعظم سبب في شيوع الرشوة أن الموظفين والعمال يعفون على الغالب من العقوبات مهما أجرموا، لا يعاقبون بأكثر من أن ينقلوا من ولاية إلى أخرى، فيمثلون في الثانية ما مثلوه في الأولى، وما قامت ثورة أهلية في السلطنة إلا كان العمال السبب فيها، ومن تكتب له حظوة عند الناس من العمال لحصافته وشرف نفسه قد يكون من المبعدين، وتختار الدولة المتوسطين في إدارتهم ومعلوماتهم على الأكثر أو من يتبالهون وينافقون، وتحاذر وزراءها في دار الملك، فتقصيهم إلى الولايات عند أقل شبهة، أو لمجرد شهوة السلطان، أو لوشاية الواشين وتصادرهم وتعذبهم، ومن يعرفون أن مصيرهم إلى مثل هذه الحال لا يتذممون من شقاء الناس ولا يرحمونهم، ويتناسون أن الحكم أمانة في عنق صاحب الشرف.