قال: ومما يروى أن أحمد باشا صهر رستم باشا تقلد منصب الوزير الرابع في حرب سكتوار، ثم أسندت إليه الصدارة العظمى، ولما تقلد الوزارة أول مرة لم يكن يملك من ألبسة الأبهة غير فروتين، يتجمل بإحداهما في الديوان، ويلبس الثانية في بيته، مع أنه كان يملك خمسمائة مملوك بالعدة الكاملة، وكان جماع الوزراء على هذا المنوال، وفي ضياع كل واحد منهم مائة قطار من البغار ومائة من الجمال، فإذا سار أحدهم إلى وجه يستغني عن شراء جمل أو حصان، وتتيسر له أسباب الرحلة في ثلاثة أيام. ثم انتقلت الدولة من البداوة إلى الحضارة، وأصبح الملوك يقيمون في دار الخلافة حتى اطمأنوا إلى الراحة، واقتدى بهم في هذا الشأن رجال الدولة، فعمروا القصور الشامخة والمباني العظيمة في الآستانة، وجملوها بأنواع الزينة والزخارف والأثاث الثمين، فسرى داء التقليد إلى العامة، وزادت نفقات أرباب المناصب والعمال زيادة فاحشة عن مشاهراتهم، فاضطروا إلى تناول الرشوة، وغدا أرباب الإقطاعات والزعامات يلزمون أرضهم بأجور باهظة، ويتقاضى الملتزمون الفقراء من الناس ما لا طاقة لهم بتحمله من المظالم والمغارم، ليتأثلوا ما يسد نهمتهم وتربح به تجارتهم، مما أهاب بمعظم الأهلين إلى الهجرة من أوطانهم، وارتحل الرعايا وأهل الذمة منهم إلى الديار الأجنبية، ونزل كثير من الناس عاصمة الملك واستوطنوها، وتكاثروا فيها حتى غصت بهم وضاقت على اتساعها، وكثر انتشار الحريق، وفسد الهواء بكثرة الزحام وانتشرت الأمراض والعلل الوافدة، وعزت المؤن والغلات، فأكرهت الحكومة على ابتياعها واشتط الباعة في أسعارها، فكان ذلك داعيا إلى خراب البلاد. ا.ه.
ومهما قيل في وضع أنظمة للدولة في فجر حياتها، فإن قوانينها كانت على حالة ابتدائية ساذجة مستوحاة من حياة أشبه ببدوية ساذجة، وهذه القوانين كثرت بعد ذلك، ثم تعقدت بطول الزمن. وضع محمد الفاتح قانونا للروم لما قضى على آخر سلاطينهم في القسطنطينية، رأوا فيه
162
فرقا كبيرا بين ما كانوا يعاملون به، وما أحسن به معاملتهم، فارتاحوا من مشاكلهم واختلافاتهم القديمة، وغض أخلافه من السلاطين الطرف عن بطريرك الروم، فكان بما خوله من الحقوق أشبه بحكومة وسط حكومة، وظل وجماعته ممتعين بخير حال نحو خمسمائة سنة، وهم مستقلون بالفعل ولا يتقاضاهم استقلالهم جندا ولا مالا،
163
كل هذا أصابهم من فضل الفاتح وتسامحه وتسامح أبنائه وأحفاده، وفي عهده بدأ الجبايات والمكوس والجمارك تعطى بصورة تلزيم مقابل مبلغ معين، كان الالتزام لسنة واحدة أولا، ثم صار الالتزام مدى الحياة، يستأجر المسلمون الأرض وغيرها، والنصارى تحت أيديهم يعملون فيربحون ثمراتها.
لما فتح العثمانيون بلاد العرب وألقوا بمقاليد إدارتها إلى أيدي المتغلبين من أهلها مقابل إتاوة تؤدى كل عام في دار الملك، تركوا الإدارة في مصر والشام للمماليك أو المتغلبة من أمراء البر، فنهجوا بها النهج الذي نهجته الدولة قبلهم، تقطع الدولة الأقاليم الواسعة بمال تستوفيه كل سنة من المتغلبين وأرباب العصبيات، أو تضع الولايات في المزاد فيقلدها من رسا عليهم ضمان الولاية، وتعهد بمال أكثر من غيره، واكتفت الدولة بإرسال وال إلى الشام، وآخر إلى مصر لمدة سنة على الأكثر ، ولا يتولى ولاية مصر وهي أهم ولايات السلطنة
164
إلا «باشاوات»، يؤدون إلى رجال الدولة إتاوة كبيرة من المال تختلف بين أربعمائة إلى خمسمائة ألف ريال، وتتجدد ولايته سنة أخرى بإرسال هدايا إلى العاصمة، تربى على مائة ألف ريال مشفوعة بالخراج السنوي وقدره ستمائة ألف ريال، وهدايا من السكر والبن والأرز والشراب والحلواء والغلال، مما لا تقل قيمته عن ستمائة ألف ريال، وهذا عدا نفقات قافلة الحج المصري ونفقات الجنود في مصر، وفي مقابل هذه النفقات يتصرف الوالي في الدخل، ويحصل منه كل سنة بعد وفاء نفقات الجند أكثر من عشرين مليون فرنك، وإليه تؤول تركات المتوفين بلا عقب، ويكثر دخله من هذه الناحية إذا وقع وباء في البلاد. قال ماييه: