تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: إن التكاليف العرفية كانت كثيرة جدا، وقد أتى زمن بلغت فيه سبعا وتسعين ضريبة ورسما، حتى إن سليم الأول لما فتح الشام وضع مكوسا على الأحكام الشرعية فتعطلت الحدود، وضرب على المواخير والحانات والمومسات

158

رسوما يخجل ذكرها، وصادر تجار حلب وسمى ما أخذه منهم مال الأمان، والأنكى أنه ما كان يحمل إلى خزانة الدولة إلا بعض هذه المغارم، والقسم الآخر يستسيغه الظلمة من العمال، وقد يضيق السلطان فيطالب الرعية بعوارض سنتين أو ثلاث مقدما، والمصادرات والغرامات والإتاوات على الغرباء، وخمس الغنائم هي جماع أموال السلطان، وجاء يوم والسلطان العثماني أغنى ملك في عصره، على ما كان أقوى ملك بجيشه وجنده، وقدر دخله السنوي باثني عشر مليون دوكا،

159

وكان دخل شارلكان أعظم ملوك الغرب لذلك العهد ستة ملايين دوكا. وبعد المائة العاشرة من الهجرة أصبح من الموارد المهمة للدولة ما يصادر من أموال الوزراء والأمراء وغيرهم.

وقلت الموارد من الغنائم في العصور الأخيرة وكثرت الحروب، ولما نضب ما في خزائن الدولة وجيوب الرعايا حاولت الدولة منذ سنة 1808م أن تقترض مالا من أوروبا، وفاوضت الماليين والسياسيين فلم توفق إلى تحقيق أمنيتها إلا في حرب القرم؛ أي في سنة 1854م، وقد أدخلت الدولة في عداد الدول الأوربية، فأخذت تقترض بالفائدة الفاحشة، ولما أعلنت الدولة إفلاسها بعجزها عن تأدية النجوم المستحقة من رأس المال ورباه، ترك أرباب الديون لها خمسة وثمانين مليون ليرة عثمانية، وسرعان ما نسيت الدولة معرة إفلاسها فعادت إلى ما كانت عليه من الإسراف، وعلى ملوكها تحمل أكبر تبعة، وكان عبد الحميد الثاني يمزج حاجاته الخاصة باحتياجات المملكة ويبالغ في الإنفاق، إلا أنه يحاول ألا يستدين من الغرب ما أمكن.

والواقع أن الإسراف بعد محمد الفاتح أصبح محسوسا في جميع الطبقات التركية، واستلزمت الحياة الجديدة التي دخل الأتراك في طورها إنفاقا وبذخا، وكثر التشبه بالكبراء وأرباب النعم والرفاهية، فبدأت الرشوة تفشو حتى أصبحت مما لا يكاد ينكر على من يأخذها في العصور المقبلة، يسف إليها الصدور العظام كما يتناولها أصغر موظف في الدولة. وكثرت المصادرات لأقل سبب، فأنشأ من يملكون النقدين، الذهب والفضة، يدفنون في بطون الأرض ومخابئ الأبنية ما يخشون عليه المصادرة، ويخفون أمره حتى عن عيالهم، وقلما كان يظهر أحد بمظهر نعمة وسعة إلا وتختلق الأسباب لمصادرته - سواء أكان تاجرا أم مزارعا - وكان أكثر ما يصاب بالمصادرات الأروام واليهود لاشتغالهم بالصرافة والربا، أما مصادرة الوزراء وغيرهم فكانت العلاج الوحيد لهم، إن كان ينجع في الفاسد علاج، فقد صودر أحد آغوات البنات (قيزلر آغاسي) في سراي عثمان الثاني على مليونين ونصف مليون ليرة عثمانية، وخلف «جنجي خوجه» خمسين مليون قرش ذهبا، كان جمعها في خمس سنين من الرشاوى والهدايا والإنعامات، وأمثال هذين الرجلين عشرات في كل دور من أدوار السلطنة العثمانية «فأشبه الأتراك

160

الرومان في الإكثار من المصادرات، وكان الرومان يقتلون الناس لهذا الغرض ، وكثر القتل في بعض أدوارهم ففقدت الثروة في رومية، وكذلك فعل رجال الدولة العثمانية قديما، كانوا يهلكون الناس ليصادروهم، وكان ذلك من الدواعي إلى الاستكثار من الوقوف والأحباس لتخوف الكبراء على ثروتهم، وربما عد ذلك من العوامل في فقر البلاد العثمانية.»

يقول جودت:

161

إن أسلاف السلاطين العثمانيين العظام كانوا يخرجون مع عساكرهم زمن الحرب إلى أكثر الغزوات، فإذا عادوا إلى مقر السلطنة لا يمكثون فيه مدة طويلة، فينصبون أحد الوزراء قائم مقام على الآستانة، ويحيلون وظيفة ضبط البلدة إلى ناظر «الضبطية»، وهو آغا الإنكشارية الثاني، ثم ينقلبون مع رجال الدولة والعلماء والوزراء ومستشاري السلطنة وبطانتها إلى أرجاء أدرنة وينيشهر يتجولون فيها، ويقضون أوقاتهم تارة في الصيد والقنص، وهما من التمارين الحربية، ويتوفرون آونة على معاناة الأعمال العسكرية كرمي الأهداف بالرصاص والسهام، فكان أركان السلطنة وسائر عمالها بمثابة قوة سيارة خفيفة المئونة في أيام السلم، يشبهون القبائل الرحالة، لا أرب لهم في الرفاهية ودواعيها، والرفاهية تستدعي النفقات الطائلة، فلذلك كانت إدراراتهم تزيد على نفقاتهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٨٦