149
وكانت وارادات الدولة مائة وعشرين مليون دوكا ذهبا. قال ابن بطوطة
150
وقد زار آسيا الصغرى على عهد أورخان: إن هذا السلطان أكبر ملوك التركمان وأكثرهم مالا وبلادا وعسكرا، وله من الحصون ما يقارب مائة حصن، وهو في أكثر أوقاته لا يزال يطوف عليها، ويقيم بكل حصن منها أياما لإصلاح شئونه وتفقد حاله، ويقال: إنه لم يقم قط شهرا كاملا ببلد ويقاتل الكفار ويحاصرهم.
عاشت إمارة بني عثمان إلى ما بعد أورخان ثاني ملوكها في حالة أشبه بالبداوة، لا يأوي سادتها إلى غير المضارب والخيام،
151
ولما فتح ثالث ملوكهم مدينة أدرنة ونقل إليها عاصمته من بروسا؛ أي انتقل من آسيا إلى أوروبا ظلت الأخلاق البدوية مستحكمة في أخلاق الأتراك، وتكاد تكون أوضاع حكومتهم على حالة ابتدائية، وكان رابعهم ييلديرم بايزيد يجلس بكرة النهار
152
في براح متسع، ويقف الناس على البعد منه وهو يراهم، فينظر في ظلاماتهم، ويقضي بينهم فيما هم فيه مختلفون في الحال، وما كان يمكن أحد من التعرض لمال أحد من الرعية حيا ولا ميتا، وإن مات ولا وارث له يودع ماله عند القاضي، وكل من غزا معه لا يعرض لشيء مما يحصل بيده، وكان الأمن فاشيا في بلاده حتى ليمر الرجل بالجمل مطروحا بالبضاعة فلا يتعرض له أحد، وينام الناس
153
مفتحة أبوابهم لا يسطو عليهم لص، ولا يريد أحد بأحد سوءا. قال المقريزي: «وكان يشترط على كل من يخدم بايزيد ألا يكذب ولا يخون، ولكنه يصنع من الشهوات ما أراد، وكان الزنا واللواط وشرب الخمر والحشيش فاشيا في بلادهم يتظاهرون به.» وفي أيام بايزيد وضع الخراج على الأرضين والعقارات.
كان جيش السلطان العثماني مؤلفا من مماليك يشبه جند مصر والشام على عهد دولتي المماليك البرجية والبحرية، فأبدع قره خليل جاندارلي
154
وزير السلطان أورخان تأليف جيش الإنكشارية، وسنت الدولة نظام اللقطاء (دوشرمة) القاضي بأن يؤخذ بعض أولاد النصارى، ويعنى بتربيتهم وتهذيبهم تهذيبا إسلاميا، حتى إذا بلغوا سن التجنيد يرسلون إلى الثكنات العسكرية في العاصمة، فكان تأليف هذا الجيش وضعا حديثا عظم به سلطان الدولة العثمانية، وبه تهيأت فتوحها؛ وذلك لأن الجيش الإنكشاري كان جيشا مدربا تحت الطلب، ليس لدولة من الدول جيش مثله، وكان عدده بادئ بدء ستة آلاف، وقيل ألف جندي، ثم كثر فبلغ مائة ألف وهو يقسم إلى كتائب، ويدرب أفراده في الولايات على الكر والفر، ويعيشون عيش الجند والغزاة، ويستخدم بعضهم في خدمة الولاة، أو في مزارع أرباب الإقطاعات، وفي حوانيت أرباب الصناعات، ويعيش الفرد منهم بمياومات ضئيلة، وهي «إقجه»
155
واحدة في اليوم، تزاد لمن ثبتت كفاءته في الحرب، وتصرف لهم مرة في كل ثلاثة أشهر بأبهة وطنطنة، وتوزع الإقطاعات على المبرزين من ضباطهم وقوادهم يعيشون بها زمن السلم، وإذا أعلنت الحرب يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة. وأغلب الإنكشارية في الولايات فرسان، وفي العاصمة مشاة، وبلغ هذا الجيش أوج ارتقائه على عهد سليمان القانوني، وكان من سياسته أن يشغله أبدا بالحرب؛ لتعذر إطلاق رزقه
156
وعطائه أيام السلم باطراد، وما زال جيش الإنكشارية نافعا في الفتوح حتى دخل فيه على عهد مراد الثالث الرقاصون والمصارعون، وقيل: إنه فسد بدخول المسلمين واليهود والنور - الغجر - فأنشأوا يعصون أوامر قوادهم ويعيشون بالنهب والسرقة.
كانت واردات السلطنة تجبى من الجزية والخراج والأملاك السلطانية، ودخل الجمارك والملاحات وأموال الغنائم، أو التكاليف الشرعية والتكاليف العرفية، وهي كثيرة جدا، والإتاوات أو خراج الممالك نصف المستقلة. ووضع محمد
157
الثاني أساس النظام المالي وتعاوره التنظيم والإصلاح على عهد سليم الأول، وسليمان الأول، وأحمد الأول، فكانت حالة المالية حسنة في الجملة، وقد وصفها أحد قناصل البندقية في الآستانة سنة 1573م، فقال: إن لوزارة المالية نظاما منظما في الحسبانات، تضع في آخر كل سنة ميزانا للنفقات والارتفاعات. وبعد قرن من الزمن، قال سياسي آخر: إن النظام في وضع المالية قد حسن وضعه وصنعه في تركيا، من حيث سجلاته وانتظامه حتى لتجد فيه كل دولة ما تتعلمه، وذلك بقطع النظر عن شيء من سوء الاستعمال يتسرب إليه، وكانت سلطة الدفتردار فوق سلطة الوزير الأعظم؛ فقد يرد ما أمر به هذا إن كان أمره غير قانوني. وفي مبتدأ النصف الأول من القرن الثامن عشر بدأ تغير عظيم في إدارة المالية؛ وذلك بدخول طريقة الإقطاعات فبطلت «المركزية»، وقسمت إدارة المال إلى قسمين: الأناضول والروم إيلي، وأصبحت كل دائرة تدير شئون إدارتها على ما تريد، فانقسمت الأغراض وتجزأت السلطة المالية، وأخذ الإنكشارية يدبرون أعظم مناصب المالية ويتولون الولايات، ويحولون الجزء المهم من أموال الدولة إلى ضامنهم، وكثر العجز في موازنة الدولة أوائل القرن التاسع عشر، ويروى أن مجلس الوزراء كان مرة منعقدا ينظر في إصلاح المالية، فقال الصدر لوزير المالية: إن إصلاح مالية الدولة العثمانية لا يتم إلا بإلقاء نفط على وزارتكم العالية لتحرق بموظفيها وسجلاتها وبناياتها، وبالطبع يكون حضرة وزير المالية خارجها، ثم نعود فنبدأ بوضع جديد في المالية، وهذا كان في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.