تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

144

وكتاب الإنشاء لا يجمعهم رئيس يرأسهم يقرأ ما يرد على السلطان ويجاوب عنه، ويتلقى المراسيم وينفذها، وإنما السلطان إذا دعت حاجته إلى كتابة كتب بعث إلى كل منهم ما يكتبه، فإذا كتب السلطان ما رسم له به بعثه على يد أحد الخصيان فقدمه إليه فيعلم فيه وينفذه، وصاحب اليمن قليل التصدي لإقامة رسوم المواكب والخدمة والاجتماع بولاة الأمور ببابه، فإذا احتاج أحد من أمرائه وجنده إلى مراجعته في أمر كتب إليه قصة يستأمره فيها فيكتب عليها بخطه ما يراه، وكذلك إذا رفعت إليه قصص المظالم، هو الذي يكتب عليها بخطه بما فيه إنصاف المظلوم، وكان شعار سلطان اليمن وردة حمراء في أرض بيضاء أو أبيض فيه وردات حمر كثيرة.

وصف ابن فضل الله

145

إمام الزيدية في اليمن في زمانه، فقال: وهذا الإمام وكل من كان قبله على طريقة ما عدوها، وهي إمارة أعرابية لا كبر في صدورها ولا شمم في عرانينها، وهم على مسكة من التقوى وترد بشعار الزهد، يجلس في ندي قومه كواحد منهم، ويتحدث فيهم ويحكم بينهم سواء عنده المشروف والشريف والقوي والضعيف، وربما اشترى سلعته بيده، ومشى بها في أسواق بلده، لا يغلظ الحجاب، ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجاب، يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسع ولا تكثر غير مشبع، هكذا هو وكل من سلف قبله مع عدل شامل وفضل كامل. ا.ه. وقال أيضا فيهم: وأئمتهم لا يحجبون ولا يحتجبون، ولا يرون التفخيم والتعظيم، والإمام كواحد من شيعته في مأكله ومشربه وملبسه وقيامه وقعوده وركوبه ونزوله وعامة أموره، ويجلس ويجالس، ويعود المرضى ويصلي بالناس وعلى الجنائز، ويشيع الموتى ويحضر دفن بعضهم. قالوا: وهذا الإمام يعتقد في نفسه ويعتقد أشياعه فيه أنه إمام معصوم مفترض الطاعة.

هذه دولة الزيدية في الجبال، أما دولة اليمن في تهامة كالدولة الرسولية مثلا، فقد وصفها القلقشندي، فقال: إن أوقات ملوكها مقصورة على لذاتهم، والخلوة مع حظاياهم وخاصتهم من الندماء والمطربين، فلا يكاد السلطان يرى ولا يسمع أحد من أهل اليمن خبرا له على حقيقته، وأهل خاصته المقربون الخصيان، وله أرباب وظائف للوقوف على أموره، وهو ينحو في أموره منحى صاحب مصر يتسمع أخباره، ويحاول اقتفاء آثاره في أحواله وأوضاع دولته.

إدارة الترك العثمانيين

لما لم يعهد عثمان الأول مؤسس السلطنة العثمانية بولاية العهد لابنه البكر علاء الدين، وعهد بها إلى ابنه الثاني أورخان، تولى الأخ الأكبر أمور الدولة، وكان أول صدر أعظم فيها، ولقب بلقب «باشا»، ومن عادة الأتراك أن يطلقوا على بكر الأولاد «آغابك»،

146

وأطلقوا على علاء الدين «باش آغا»؛ أي رئيس الأخوة، وتفرغ

147

هذا الصدر الجديد لوضع أنظمة وقوانين للحكومة، فكان واضع أساس إدارتها، فخدم الدولة بأوضاعه خدمة حسنة، وكان والده

148

كلما استفاضت فتوحاته، يقسم البلاد المفتتحة إلى أفضية وألوية، فيتولى القضاء قاض، ويتولى اللواء عامل يدعى أمير اللواء، ويقسم الأرضين قسمين: قسما يجعلها إقطاعا للجند، وقسما يسميه الخاص، يستثمره أبناء الملك والوزراء والأمراء والرجال العظام، وما بقي من الأرض يدعونه الخاص الملكي يدفع ريعه لخزانة الدولة.

وقف الأتراك العثمانيون في حكومتهم مع حدود الشرع الإسلامي، واتخذوا قضاة يحكمون بين الناس، وأخذوا يعدلون ما وضعوا من قوانين الإدارة بحسب الزمن، ولما كان السلطان مصدر كل تقنين كسائر الحكومات الإسلامية السالفة، كان الوزير يعرض رأيه على الملك فإما أن يقبله، وإما أن ينفيه.

وكان للسلطان وزير واحد في أول الأمر، ثم صار للدولة رئيس وزراء، ثم وزيران وثلاثة وأربعة وخمسة. والصدر أو رئيس الوزراء، هو نائب السلطان ينظر في أمور الدولة، وهناك طبقات «الآغوات»، وهم قواد الجيوش. ومدار الدولة على أقطاب أربعة: الصدر الأعظم وقاضي العسكر، «والدفتردار»؛ أي صاحب السجل وهو وزير المال، «والنشانجي»؛ أي رئيس الرماة وهو وزير الحربية. ويجتمع وزراء السلطنة في الديوان السلطاني تحت قبة لهم، ولذلك دعوا بوزراء القبة، والصدر الأعظم ينظر في مصالح الناس في داره ويطلقون عليه «باب الباشا» أو «باب الوزير»، ثم أطلق عليه «الباب العالي»، وبعد زمن أخذوا يطلقون اسم «الباب العالي» على مجموعة دواوين الدولة أو الوزارات، وفي عهد الفاتح أنشأوا يطلقون على المتصرف اسم «بك اللواء»، وعلى الوالي «بك البكوات» «بكلربكي»، وأصبح أهل الزعامة والمقاطعات تحت إدارة المتصرفين والولاة، وقسم الروم إيلي على عهد الفاتح إلى 36 لواء والأناضول مثله،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٨٤