والولاة هم أصحاب الشرطة، وكان والي مصر أو ملكها منذ عهد ابن طولون يجلس للنظر في المظالم، وإذا ضعفت قوة الدولة يجري نقل الولاة والنواب في الأقاليم بسرعة، حتى قال ابن الوردي منكرا هذه الطريقة في التبديل وناعيا على الدولة أثرها في إضعاف البلاد:
هذي أمور عظام
من بعضها القلب ذائب
ما بال قطر يليه
في كل شهرين نائب
كان أرباب الوظائف من الأمراء بعد النيابة والوزارة أمير السلاح والدوادار والحجبة وأمير جاندار والاستادار والمهمندار ونقيب جيوش الولاة. وأمير السلاح
141
هو المتولي أرباب السلاح وحمل سلاح السلطان في المجامع العامة، والدوادار مبلغ الرسائل عن السلطان والقصص المقدمة إليه، وربما أخرج المراسيم السلطانية بغير مشاورة كما يخرج نائب السلطنة، ورتبة الحجبة قد تكون جليلة في بعض الأدوار، وكانت تلي رتبة نيابة السلطنة، ويقال لأكبر الحجبة حاجب الحجاب، وموضوع الحجبة أن متوليها ينصف من الأمراء والجند تارة بنفسه، وتارة بمشاورة السلطان، وطورا بمشاورة النائب، وكان إليه تقديم من يعرض ومن يرد وعرض الجند، فإن لم يكن نائب السلطنة فإنه هو المشار إليه في الباب، والقائم مقام النواب في كثير من الأمور، ولا يتعدى حكمه النظر في مخاصمات الأجناد واختلافهم في أمور الإقطاعات ونحو ذلك، وأمير جاندار يتسلم باب السلطان ويقدم البريد مع الدوادار وكاتب السر، والاستادار إليه أمر البيوت السلطانية والمطابخ والشراب خانات والحاشية والغلمان، والمهمندار هو الذي يتلقى رسائل الواردين وأمراء العربان وغيرهم ممن يرد من أهل المملكة وغيرها، يخاطب نقيب الجيوش إذا طلب السلطان أو النائب أو حاجب الحجاب أميرا، أو جنديا فيرسل إليه، ثم انحطت رتبته فصار محصورا في ترويع الخلق وأخذ أموالهم، وأصبح من أدوات الشر في البلاد.
طرأت في آخر دولتهم تغيرات على نظام الدولة وأوضاعها، وأصبحت عدة مباشري
142
الدولة نيفا وثلاثمائة مباشر ولها مقدم وتحت يده رسل وأعوان، كانت نفقتهم في أيام برقوق خمسين ألف دينار، وكان معلوم الوزير في الشهر مائتين وخمسين دينارا حبشية مع أرزاق من مأكول وعلوفة تبلغ نظير المعلوم، ثم ما دون ذلك من المعلوم لمن عدا الوزير وما دون دونه. وكان معلوم القضاة والعلماء أكثر من خمسين دينارا في كل شهر مضافا إلى ما بأيديهم من المدارس التي يستدرون أوقافها، وبرز المرسوم
143
العالي في بعض السنين بأن كل من انقطع عن وظيفته من الفقهاء والمدرسين والمؤذنين وأرباب وظائف الدين وغمز عليه يستأهل ما يجري عليه؛ أي إن وظائف الدين كانت فعلية قلما يسوغ أوقافها إلا من يقوم بالفعل بعمله، وأصبحت المدارس والجوامع الموقوف عليها في أواخر عهدهم متعددة الوجوه، وتتألف من ريعها موازنة كبيرة تعتاش بها خلائق؛ بل هي قوة من قوى الدولة تستخدمها على الأكثر فيما ينفع الناس، ويربط بها السلطان أو الأمير العلماء بنفسه حتى لا يشاكسوه فيما يراه مصلحة لدولته، فإذا جسروا على مخالفته عاقبهم بحرمانهم إدراراتها.
وكثرت الدواوين آخر دولة المماليك، وكان أهمها ديوان الإنشاء، ويقال لناظر الإنشاء كاتب السر وكاتم السر. ومن الدواوين ديوان الجيوش، وديوان الخزانة الشريفة، وديوان المستأجرات والحمايات، وديوان الأحباس - الأوقاف - وديوان الإشراف، وديوان الذخيرة، وديوان المرتجع، وديوان الاستيفاء، وديوان الزكاة، وديوان العمائر، وله علاقة بالمهندسين وأرباب العمائر ويتكلم صاحبها في العمائر السلطانية مما يختار السلطان إحداثه وتجديده من القصور والمنازل والأسوار، ولكل ديوان ناظر ومباشرون.
ويطول المقال إذا أحببنا أن نعرض لتراتيب كل قطر من الأقطار الإسلامية على عهد المماليك؛ فقد كان من مصطلح الدولة اليمانية مثلا أن يكون لها نائب ووزير وحاجب، وكاتب سر وكاتب جيش، وديوان مال، ووظائف الشاد والولاية يتشبهون بالديار المصرية في أكثر أحوالهم،