كان الرسم في دولتي المماليك أن تقبل الأرض بين يدي الملك، كأن يحاول الملك الذي كان مملوكا أن يملك الأحرار، بإذلال الكبير والصغير من رعيته. ويرى الباحث في عهد المماليك ألوانا من الأحكام والقانون وعمرانا من جهة، وخرابا من أخرى، وقل أن جاء منهم رجل لم يطلق المال لإقامة المصانع والمعاهد في بلاده، وإذا رأيناهم من جهة يأخذون من الناس أموالا في الشدائد، فقد رأينا منهم ملوكا يبطلون كثيرا من المكوس والمظالم ينادون في الجوامع برفعها، وينقشون المرسوم العالي في رخام أو على سواري المساجد، ويلعنون فيها من يعود إلى تجديدها.
ولقد أصبحت أحكام مجالس المظالم في دولتهم أحكاما سياسية؛ أي إنها لا تتقيد بالشريعة فقط، فالأحكام عندهم على قسمين: حكم الشرع وحكم السياسة، وحكم الشرع معلوم، وحكم السياسة القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال، ويرى المقريزي أنها قواعد ورثوها عما سنه لهم جنكيز خان، وكان هذا لا يدين بدين ويحكم العقل في دولته، ففوضوا لقاضي القضاة كل ما يتعلق بالأمور الشرعية، ورجعوا إلى عادات جنكيز والاقتداء بقانونه، فنصبوا الحاجب ليقضي بينهم فيما اختلفوا فيه من عقائدهم، وجعلوا إليه النظر في قضايا الدواوين السلطانية، وكانت من أجل القواعد وأفضلها حتى تحكم القبط في الأموال وخراج الأرضين، فشرعوا في الديوان ما صار لهم به سبيل إلى أكل الأموال بغير حقها.
قال «هذا وستر الحياء يومئذ مسدل، وظل العدل ضاف، وجناب الشريعة محترم، وناموس الحشمة مهيب، فلا يكاد أحد يزيغ عن الحق، ولا يخرج عن قضية الحياء، إن لم يكن له وازع من دين كان له ناه من عقل، ثم تقلص ظل العدل وسفرت أوجه الفجور، وكشر الجور عن أنيابه، وقلت المبالاة، وذهب الحياء والحشمة من الناس، حتى فعل من شاء ما يشاء، وتعدت - منذ عهد المحن التي كانت في سنة ست وثمانمائة - الحجاب وهتكوا الحرمة، وتحكموا بالجور تحكما خفي فيه نور الهدى وتسلطوا على الناس ...»
كانت وظيفة الوزارة أجل رتب أرباب الأقلام؛ لأن متوليها تالي السلطان، وقدم المماليك رتبة النيابة على الوزارة، وولي الوزارة أناس من أرباب السيوف، وأناس من أرباب الأقلام، فصار الوزير إذا كان من أرباب الأقلام يطلق عليه اسم الصاحب، ويقال لوزير الدولة ناظر النظار أو ناظر المال، وتلي رتبته رتبة الوزارة، والوزير ينظر في المكوس وبعض الدواوين ومصارف المطبخ السلطاني والسواقي، وإليه يرجع ناظر الدولة وشاد الدواوين، وناظر بيت المال، وناظر الأهراء ومستوفي الدولة، وناظر الجهات، وموضوع شد الدواوين أن يكون صاحبها رفيقا للوزير، متحدثا في استخلاص الأموال، وأهم جميع هذه الوظائف «النيابة»، ويعبر عن صاحبها بالنائب الكافل، وكافل الممالك الإسلامية، وصاحبها يحكم في كل ما يحكم فيه السلطان، ويعلم في التقاليد والتواقيع والمناشير، وسائر النواب لا يعلم الرجل منهم إلا على ما يتعلق بخاصة نيابته، والنائب يستخدم الجند من غير مشاورة السلطان، ويعين أرباب الوظائف الجليلة كالوزارة وكتابة السر، وهو سلطان مختصر بل هو السلطان الثاني. وهناك وظيفة نائب الغيبة، وهو الذي يتولى الأمر إذا غاب السلطان والنائب الكافل. وأحدثوا في عهد محمد بن قلاوون وظيفة ناظر الخاص ولم تكن تعرف
140
أولا، وهي أشبه بناظر الخاصة يتولى خصوصيات الملك ويدبر أموره، وفي أيام قلاوون أحدثت وظيفة كتابة السر، وكانت هذه الوظيفة قديما في ضمن الوزارة، والوزير هو المتصرف في الديوان وتحت يده جماعة من الكتاب، وفيهم رجل كبير يسمى صاحب ديوان الإنشاء، وصاحب ديوان الرسائل، وذكر ابن خلدون أن أهل هذه الرتبة العالية - أي الوزارة - استنكفوا في دولة الترك بمصر عن اسم الوزارة، وصار صاحب الأحكام والنظر في الجند يسمى عندهم بالنائب، وبقي اسم الحاجب على مدلوله، واختص اسم الوزير عندهم بالنظر في الجباية.