تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما كان مثل هذا الإسفاف يقع في عهد صلاح الدين الذي ملأ بلاده بأعمال الخير في مصر والشام، وأغدق هباته على الطراء والتناء،

132

وأدر الأرزاق والمشاهرات على المدرسين والدارسين، وعلى الفقراء والصالحين، وعلى الحجاج والمجاورين، وما كان يطعم إلا المال الحلال، ولا يجوز غير ما جوزه الشرع من الأموال. قال السيوطي:

133

فلقد كان إماما عادلا وسلطانا كاملا، لم يل مصر بعد الصحابة مثله لا قبله ولا بعده. وقال ابن خلكان:

134 «ولقد فكرت في نفسي في أمور هذا الرجل (صلاح الدين)، وقلت: إنه سعيد في الدنيا والآخرة، فإنه فعل في هذه الدنيا هذه الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها، ورتب هذه الأوقاف العظيمة، وليس له فيها شيء منسوب إليه في الظاهر.» قال صلاح الدين لأحد خاصته وقد استعداه على جمال: ما عسى أن أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة، وأوامره ونواهيه ممتثلة، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته، فالحق يقضي لك أو عليك.

135

رأى نور الدين وصلاح الدين أن بلادهما كادت تخلو من علماء ممتازين ، فأخذا يستدعيان العلماء من البلاد الإسلامية الأخرى، وكلما سمعا بعالم كبير زينا له نزول بلادهما، وعمرا له المدارس، وحققا له جميع رغائبه ومطالبه، وهما يريان في ذلك منة له عليهما؛ ولذلك كثر العلماء والشعراء في عهديهما، وكان منهم المجود والفهامة. وكان نور الدين متبحرا في الشرع وألف كتابا في الجهاد، وصلاح الدين لكثرة ما خالط العلماء وأخذ عنهم كان في مجالسه وحديثه كأنه من كبار الفقهاء، يضرب في كل علم من علوم الدين بالسهم الصائب، وهو متفرد في معرفة وقائع الأمم وسير الليالي.

إدارة المماليك

انتظمت دولة المماليك في بعض أدوار العظماء من ملوكها في مصر والشام، وكان أكثرهم مع الشرع لا يقطع أمرا بغير رأي الفقهاء؛ فالظاهر بيبرس أولهم لم يرض أن يأخذ مالا غير المقرر من بلاده؛ ليحارب التتر إلا لما أخذ خطوط العلماء جميعهم، وأراد أن يقرر القطيعة

136

على البساتين بدمشق، واحتاط عليها وعلى الأملاك والقرى، فنهاه القاضي قائلا هذا ما يحل،

137

ولا يجوز لأحد أن يتحدث فيه وقام مغضبا. ولما جاء السلطان مصر أحضر العلماء، وأخرج فتاوى الحنفية باستحقاقها بحكم أن دمشق فتحها عمر بن الخطاب عنوة، ثم قال من كان معه كتاب عتيق أجريناه عليه، وإلا فنحن فتحنا هذه البلاد بسيوفنا، ثم قرر عليهم ما أراد وما سامح به، وتوسع الظاهر في كل شيء، في البناء والنفقة والجيش، قالوا: وكانت العساكر في الديار المصرية في أيام غيره عشرة آلاف فارس فضاعفها أربعة أضعاف، وكانت الملوك قبله مقتصدين في النفقات والعدد وعسكره بالضد من ذلك، وكانت كلف المطبخ الصالحي النجمي ألف رطل لحم بالمصري كل يوم فضاعفها عشر مرات.

كان جند

138

المماليك مختلطا من الأتراك والشركس والروم والأكراد والتركمان، وغالبهم من المماليك المبتاعين، ولا يقل الفرسان منهم في مصر وحدها عن خمسين ألفا، ولهم الإقطاعات الكثيرة والجرايات الدارة، والجيوش على قسمين، منهم من هو بحضرة السلطان، ومنهم من هو في أقطار المملكة وبلادها. وسكان بادية كالعرب والتركمان، والمماليك طبقتان:

139

المماليك السلطانية، وهم أعظم الأجناد شأنا، ومنهم يؤمر الأمراء رتبة بعد رتبة، وهم في العدة بحسب ما يؤثره السلطان من الكثرة والقلة، والطبقة الثانية أجناد الحلقة، وهم عدد جم وخلق كثير، وأجناد الحلقة هم القائمون أبدا بسلاحهم يشبهون الحامية، ولكاتب الجيش جريدة بأسماء الأجناد وإقطاعاتهم وخيولهم، ولهم نقباء يعرفون أحوال الأجناد من الحياة والموت والغيبة والحضور.

وفتح أحد ملوكهم باب قبول البدل في الإقطاعات والوظائف، وجعل لذلك ديوانا؛ وذلك لأنه كان متطلعا إلى جمع المال، وألزم ديوان الجيش الفلاحين بالفلاحة في الإقطاعات، ومن نزح من دون ثلاث سنين يعاد إلى قريته قهرا، فخربت البلاد وكثرت المظالم والمغارم. وكان من ملوكهم من يستكثر لضعفه من الأنصار، ويتسلط على عقول السذج من العربان وأرباب الدعارة، والمماليك يتفننون في أخذ أموال الناس وهتك حرمهم. وحدث بعد الناصر قلاوون بين أجناد الحلقة نزول الواحد منهم عن إقطاعه لآخر بمال أو مقايضة الإقطاعات بغيرها، فكثر الدخيل في الأجناد بذلك، واشترت السوقة والأراذل الإقطاعات حتى صار أكثر أجناد الحلقة أصحاب حرف وصناعات، وخربت بهم أرض إقطاعاتهم.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٨١