تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استفتى نور الدين الفقهاء في أخذ ما يحل له من المال، فأخذ ما أفتوه بحله ولم يتعده إلى غيره، وأسقط كل ما يدخل في شبهة الحرام، فما أبقى سوى الجزية والخراج وما يحصل من قسمة الغلات، وكتب أكثر من منشور بذلك، وأطلق في بلاده المظالم؛ أي القرى التي استصفاها بعضهم بالعنف من أربابها، وأسقط من دواوينه عن المسافرين الضرائب والمكوس، وحرمها على كل متطاول، وأقطع أمراء العرب لئلا يتعرضوا للحاج، وجدد قنى السبل ووقف الكتب الكثيرة، وأجرى على العلماء والقراء، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف فيما يخصه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين، وكان يبعث بما يصل إليه من الهدايا، وغيرها إلى القاضي يبيعه ويعمر به المساجد المهجورة ولا يتناول منه شيئا، ووقف الوقوف الكثيرة بعشرات الألوف من الدنانير على المدارس والجوامع، وعمارة الطرق والجسور، ودور المرضى والبائسين والخانات، وإقامة الأبراج والقلاع ومكاتب الأيتام.

هذه زبدة ما قاله ابن الأثير في سيرة نور الدين، ومما قال: قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا - أي في القرن السادس - فلم أر بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف منه. وكان نور الدين أول من بنى دار العدل بدمشق، ثم بنى مثلها في مصر، وجلس فيها الملوك منذ عهد صلاح الدين.

أما صلاح الدين فقد سار بسيرة نور الدين، سامح بمئات الألوف من الدنانير، وأعطى عطاء من لا يخاف الفقر ، وأجرى كل سنة مبلغا لا يقل عن مائتي ألف دينار على أرباب العمائم في دولته، وكان يضن كل الضنانة برجاله، أسر قاضيه الهكاري فافتداه بمبلغ جسيم، وكان يصل كاتبه ووزيره ومشاوره القاضي الفاضل بالألوف، ويضن على أهله وأولاده، والقاضي الفاضل في الحروب الصليبية يشبه بدهائه وإخلاصه وعلمه أكبر ساسة الغرب في عهد نهضته الأخيرة، وهو الذي منع صلاح الدين عن الحج لما أراده، وقال له: إن رفع المظالم من البلاد، والقعود للإفرنج بالمرصاد، على حين تقطر السيوف دما، أفضل من حجك فأطاعه.

كان صلاح الدين يجلس في كل يوم اثنين، وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير أو صغير وعجوز وهرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا، على أنه كان في جميع زمانه قابلا لما يعرض عليه من القصص، وفي كل يوم يفتح باب العدل، وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل وإما في النهار ويوقع على كل قصة، ولم يرد قاصدا أبدا، وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قصته وكشف ظلامته، واقتصر في جباياته على الخراج والعشور على الزراع مما أباحه الشرع. هكذا فعل في مصر لما قضى على دولة الفاطميين، وكانت المكوس فيها فاحشة فأسقطها، وأنواعها كثيرة جدا فألغاها، ورجع إلى الزكوات المشروعة والخراج عن الأرض، وكان قبل الفاطميين أيضا مكوس وضعها أمراء السوء، فأبطلت كلها في الدولة الصلاحية، ثم كانت بعض تلك الرسوم والمكوس تعاد إلى سابق حالها، ومنها الشائن كالمكس على المغنيات والفاحشات، وتصدر بالبواقي مساميح أيام العقلاء من الملوك في الدول المختلفة.

هذه بعض سيرة صلاح الدين في مصر وفي الشام، وكذلك كان أخوه أبو بكر بن أيوب سار على طريقته، وأبطل كثيرا من المظالم والمكوس، وطهر بلاده من الفواحش والخمور والقمار، بيد أنه حدث في عهد بعض أولاده صلاح الدين ما أوجب نقد المؤرخين لهم، قال المقريزي:

131

وفي أيام الملك العزيز عدمت في مصر الأرزاق من جانب الديوان، وتعذرت وجوه المال حتى عم المرتزقة الحرمان، واستبيح ما كان محظورا من فتح أبواب التأويلات، وأخذ ما بأيدي الناس بالمصادرات، وصار الإنفاق في السماط السلطاني من هذه الوجوه، قال: وضمن العنب بعصر الخمور، وحمل من ضمانه شيء إلى العزيز فصنع به آلات الشرب، ووقف الحال فيما ينفق في دار السلطان، وفيما يصرف إلى عياله، وفيما يقتات به أولاده، وأفضى الأمر إلى أن يؤخذ من الأسواق ما لا يوزن له ثمن وما يغصب من أربابه، وأفضى هذا إلى غلاء أسعار المأكولات، فإن المتعيشين أرباب الدكاكين يزيدون في الأسعار العامة بقدر ما يؤخذ منهم للسلطان، فاقتضى ذلك النظر في المكاسب الخبيثة وضمن المزر والخمر باثني عشر ألف دينار، وفسح في إظهاره وبيعه في القاعات والحوانيت، ولم يقدر أحد على إنكار ذلك، وصار ما يؤخذ من هذا السحت ينفق في طعام السلطان وما يحتاج إليه، وصار مال الثغور والجوالي إلى من لا يبالي من أين أخذ المال.

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٨٠