وكثر في آخر أمر الفاطميين «القبض والمصادرات واصطفاء الأموال والنفي»، وكانوا إذا صرفوا وزيرا لا يعيدونه إلى العمل، وكان الوزير ابن البطائحي
126
أول من عمل إحصاء سكان البلاد، وتدوينها في قوائم خاصة سماها ابن ميسر أوراق «التصقيع»، ووضع أوراق السفر للداخل إلى البلاد والخارج منها، ووضع الجواسيس ومنهن النساء يتسقطن أخبار الناس لما ينفع الدولة، وفي أواخر أيامهم كان الوزير يجلس للمظالم بنفسه، ومعه قاضي القطاة والموقع وصاحب ديوان المال، وإذا خلت مصر من وزير صاحب سيف يجلس للنظر في المظالم صاحب الباب، وكان القضاة منذ استولى الفواطم على مصر يقضون بالمذهب الإسماعيلي، وبطل العمل مدة حكمهم بالمذهب الشافعي وغيره؛ أي إن المذهب الإسماعيلي كان مذهب الدولة القائمة، وعنوا عناية خاصة بالدعوة إلى مذهبهم، وكان له دعاة ودعاة دعاة، ولهم ديوان خاص تنفق عليه الدولة نفقات كبيرة، كما تعنى بديوان الإنشاء واختيار بلغاء الكتاب له ما بين مسلم وذمي.
127
وكان حملة الأقلام أو كتاب الدواوين يتولون الجباية والنفقات على اختلاف فروعها، وهم عبارة
128
عن ثمانية عشر صنفا، وهم: ناظر ومتولي ديوان ومستوف ومعين وناسخ ومشارف وعامل وكاتب وجهبذ وشاهد ونائب وأمين وماسح ودليل وحائز وخازن وحاشر وضامن، ولكل منهم أمر يتوجه عليه الخطاب فيه. وتتبدل الأسماء بتبدل الدول والمسميات واحدة، وابتليت الدولة الفاطمية بالجود بالألقاب العجيبة على وزرائها وعمالها، يسمون أحدهم «الوزير الأجل الأسعد المكين الحفيظ الأمجد الأمين عميد الخلافة، جلال الوزراء تاج المملكة، وزر الإمامة شرف الملة كفيل الدين» إلخ، ويطلقون على آخر «سيد الوزراء ظهير الأمة عماد الخلصاء فخر الأمة»، وعلى آخر «الوزير الأجل الأوحد، جلال الإسلام ظهير الإمام، قاضي القضاة وداعي الدعاة، شرف المجد خليل أمير المؤمنين وخالصته، ثقة الدولة وسناؤها» إلى غير ذلك من المبالغات الأعجمية التي لا تسمن ولا تغني.
هذه تراتيب الفاطميين، ولا يشفع في هذه الإدارة بسطهم الأيدي في إعطاء الألوف للشعراء والفقهاء والدعاة. وكانت حالة الدولتين الصلاحية والنورية على عكس ذلك؛ كان طغتكين صاحب دمشق، ومن عظماء أمراء السلاجقة (522) مثالا من صاحب الإدارة الحسنة، أعاد إلى الرعية كثيرا من أملاكهم التي اغتصبها منهم ولاة الجور، وجرت عليها أحكام المقاسمة، وأرجعها إلى خراجها القديم، وأحيا الأرض المعطلة، وباع منها ما كان شاغرا للناس يعمرونه، وعمرت البلاد بجميل سياسته وحسن تدبيره، وانبسطت الرعية في عمارة الأملاك.
وكان نور الدين زنكي كوالده ينهي أصحابه عن اقتناء الأملاك؛ لأن الإقطاعات تغني عنها، قال: ومتى صارت الأملاك لأصحاب السلطان ظلموا الرعية وغصبوهم أملاكهم، وكان إذا
129
توفي أحد الأجناد وخلف ولدا أقر الإقطاع عليه، فإن كان الولد كبيرا استبد بنفسه، وإن كان صغيرا رتب معه رجلا يثق به فيتولى أمره إلى أن يكبر، فكان الأجناد يقولون: هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد فنحن نقاتل عليها، قالوا: وكان ذلك سببا عظيما من الأسباب الموجبة للصبر في المشاهد والحروب، وكان أيضا يثبت أسماء أجناد كل أمير في ديوانه وسلاحهم خوفا من حرص بعض الأمراء، وشحه أن يحمله على أن يقتصر على بعض ما هو مقرر عليه من العدد، ويقول: نحن كل وقت في النفير، فإذا لم يكن أجناد الأمراء كافة كاملي العدد والعدة دخل الوهن على الإسلام.
وكان نظام الملك وزير السلجوقيين أول من فرق الإقطاعات على الجند فعمرت البلاد، وكثرت الغلات، واقتدى به من جاء بعده من الملوك، وكانت عادة الخلفاء
130
من بني أمية وبني العباس والفاطميين من لدن عمر بن الخطاب أن تجبى أموال الخراج، ثم تفرق من الديوان في الأمراء والعمال والأجناد، ويقال لذلك في صدر الإسلام العطاء، وغير العجم هذه الرسوم، وأصبح من الأرض ما يوغره أصحابه؛ أي يدفعون عنه قدرا من المال مرة واحدة فيعفى من الخراج، أو يلجئونها، والإلجاء أن يلجأ صاحب الأرض إلى بعض الكبراء، فيسجل ضيعته باسمه تعززا به من عمال الخراج، حتى لا يجوروا عليه فتصبح الضيعة ملكا لذاك الكبير، وفي دولة السلاجقة كان يسمى صاحب ديوان الإنشاء أو كاتب السر الطغراوية، والطغراء هي الطرة بالفارسية، وكذلك الحال في بعض دول المشرق.