123
العزيز من المماليك الديالمة والمصامدة والأتراك المغول. وعني الفاطميون بالأسطول، وكان له ديوان خاص حافظ عليه صلاح الدين لما أخذ الملك منهم، وكان عمال الدولة الفاطمية وولاتها موسعا عليهم في الرزق، ثم كثر صرف أكثر الوزراء والولاة والقضاة أوائل النصف الثاني من القرن الخامس؛
124
لكثرة مخالطة الرعاع للخليفة وتقدم الأراذل، بحيث كان يصل إليه في كل يوم ثمانمائة رقعة فيها المراجعات والسعايات، فاشتبهت عليه الأمور وتناقضت الأحوال، ووقع الاختلاف بين عبيد الدولة، وضعفت قوى الوزراء عن التدبير لقصر مدة كل منهم، وخربت الأعمال لقلة ارتفاعها، وتغلب الرجال على معظمها، مع كثرة النفقات والاستخفاف بالأمور وطغيان الأكابر، وما كان الفاطميون يرون أنجع لاتقاء شر الولاة من المسارعة إلى تبديلهم مخافة أن يشقوا عصا الطاعة، ومن ارتضوا سيرته كابن عمار في طرابلس أنشأ له دولة صغيرة، والغالب أن ما دعاهم لإغماض العين عنه، والتساهل معه في إساغته أموالها، إرادتهم في أن يجعلوا من بلده مركزا من الدعوة إلى التشيع في الشام، ومن خلفائهم من كانوا على تدين وتصون، ومنهم من كانوا مستهترين مشغوفين باللهو كالظاهر (427) فتأنق الناس في أيامه بمصر، واتخذوا المغنيات والرقاصات، وبلغوا من ذلك مبلغا عظيما.
ومع أن من مقتضى مذهب الفاطميين البعد عن أهل الذمة لم يتلكأ بعض خلفائهم من الاعتماد عليهم في إدارة مصر والشام؛ فقد وسد العزيز الفاطمي الأمر لرجل من الأقباط اسمه نسطورس، وقلد أموال الشام ليهودي اسمه منشا، يجمعان الأموال ويوليان أبناء نحلتهما الأعمال، ويعدلان عن الكتاب والمتصرفين من المسلمين، فغضب الناس في مصر والشام، وعمد بعضهم في القاهرة إلى مبخرة من حديد، وألبسها ثياب النساء وزينها بإزار وشعرية، وجعل في يدها قصة على جريدة، وكتب فيها رقعة ليراها العزيز عند مروره، وهي «بالذي أعز جميع النصارى بنسطورس، وأعز جميع اليهود بمنشا، وأذل جميع المسلمين بك إلا ما رحمتهم، وأزلت عنهم هذه المظالم.» فتوسطت ست الملك ابنة العزيز لنسطورس فعفا عنه، بعد أن حمل إلى الخزانة ثلاثمائة ألف دينار، وأعاده العزيز إلى ما كان ناظرا فيه، وشرط عليه استخدام المسلمين في دواوينه وأعماله، وأما منشا فقتل ولم يشفع به أحد.
وكانت جبايات الفاطميين فاحشة والفتن متصلة، وعمالهم يبالغون في ارتكاب المظالم، فخربت البلاد وجلا عنها أهلها وتعطلت الزراعة. ومع أن الرواتب والإقطاعات كانت كثيرة بل فاحشة المقدار في الدولة الفاطمية، كانت الرشوة وضياع الحقوق من الأمور المألوفة، كان راتب الوزير الفاطمي في كل شهر خمسة آلاف دينار،
125
ومن يليه من ولد أو أخ من ثلاثمائة دينار إلى مائتي دينار وربما خمسمائة دينار، ثم لحواشيه خمسمائة دينار إلى أربعمائة دينار إلى ثلاثمائة خارجا عن الإقطاعات، ولأكبر أرباب الأقلام في الشهر مائتان وخمسون دينارا حبشية، ومن الرواتب والغلة ما إذا بسط وثمن كان نظير ذلك، ثم دون ذلك ودون دونه، ولأعيانهم الرواتب الجارية من اللحم والخبز والعليق والشمع والسكر والكسوة، ونحو ذلك مما هو جار على العلماء وأهل الصلاح من الرواتب والأرضين المؤبدة وما يجري مجراها، يتوارثه الخلف عن السلف، ولا يوجد بمملكة من الممالك، ولا مصر من الأمصار، ويبلغ إقطاع الواحد من أكابر الأمراء مائتي ألف دينار حبشية، وربما زاد على ذلك.
وإقطاع الأمراء في مصر أفحش مما هو في الشام، وكان رزق أحمد بن خيران الملقب بولي الدولة صاحب ديوان الإنشاء ثلاثة آلاف دينار في كل سنة، وله عن كل ما يكتبه من السجلات والعقود، وكتب التقليدات رسوم يستوفيها من كل شيء بحسبه. وقد خلف الأفضل وزير المستنصر والمستعلي والآمر (515) من العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الفضة مائتين وخمسين أردبا وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس إلى آخر ما خلف . وخلف جوهر القائد من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم، ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق إلى آخر ما خلف، وإذا كان وزير من وزرائهم يجمع هذا القدر العظيم من النعمة فما يكون في أيدي غيره وأيدي خلفائهم؛ فقد وقع صلاح الدين لما أخذ مصر منهم على كنوز عظيمة في قصورهم، لا يستطيع قلم أن يدونها، وهذا كله ما جمع من طرق مشروعة، والفلاح كان في شدة بالطبيعة.