تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

116

عشر ألف فارس فتنصروا بأجمعهم وعادوا إلى بلاد الإسلام، بعد أن قويت نفوسهم بملك الروم يغزون ويفسدون.

كان سيف الدولة يأتي هذا الظلم، ويفضل من جهة على الشعراء فضلا قلما يسمع بمثله، وقد ضرب دنانير للصلات في كل دينار، منها عشرة مثاقيل وعليه صورته ورسمه، وأعطى أبا فراس الحمداني لما ارتجل له أبياتا ضيعة بمنبج تغل ألف دينار، ووصل المتنبي

117

بخمسة وثلاثين ألف دينار في مدة أربع سنين، وكان سيف الدولة لا يملك نفسه، كان يأتيه علوي من بعض جبال خراسان كل سنة فيعطيه رسما له جاريا على التأييد، فأتاه وهو في بعض الثغور، فقال للخازن: أطلق له ما في الخزانة فبلغ أربعين ألف دينار، فشاطر الخازن وقبض عشرين ألف دينار، إشفاقا من خلل يقع في عسكره وهو في الحرب.

وكانت حضرة سيف الدولة في مملكته الصغيرة أعظم من حضرة بني العباس، يتبارى الشعراء في مدحه، وهو لا يستحي أن ينكب قرية أو قرى ليجيز شاعرا، ويخرب إقليما أو يبطل تجارة جسيمة ليعمر قصرا وتتم له رفاهيته وبذخه، وقد خرب الرقة والرافقة من ديار مضر بما حملهما من الكلف والنوائب، وبمصادرة أهلهما

118

مرة بعد أخرى، وكان إذا أكل الطعام يحضر على مائدته أربعة وعشرون طبيبا، وينشئ من القصور ما يعجز عنه الخوالف من بني العباس. قال الأزدي:

119

إن سيف الدولة كان معجبا برأيه، محبا للفخر والبذخ، مفرطا في السخاء والكرم، شديد الاحتمال لمناظريه والعجب بآرائه، سعيدا مظفرا بحروبه، جائرا على رعيته اشتد بكاء الناس عليه ومنه، بكوا عليه لدفاعه عن أرض الإسلام وتوليه غزو الروم، وبكوا منه لظلمه وسوء إدارته.

وبينما كان سيف الدولة يعمل هذا لاستدرار الأموال والإفضال على من يحب، كان كافور صاحب مصر، وهو خصي أسود، يضن بالدانق إلا على مصالح الدولة، ويضن على الشاعر المتنبي نفسه، فلا يقلده ولاية من ولاياته، ويقول: إن من ادعى النبوة مع محمد ألا يدعي الملك مع كافور؟ وكان رسمه أن يستقبل العيد بيوم «تعد فيه الخلع والحملانات، وأنواع المباز لرابطة جنده وراتبة جيشه.» وقد تقدم إلى سائر دواوينه ألا يعطي دينار ولا درهم إلا بتوقيع يعقوب بن كلس فوقع في كل شيء، ويعقوب هذا منظم المالية في الدولتين الكافورية والفاطمية، وقامت الدولة الفاطمية في إفريقية ومصر لأول أمرها على إدارة وترتيب، ووضع المعز والعزيز من الفاطميين نظاما دقيقا في المالية والإدارة،

120

وكان لهما من ابن كلس وزير على ضعفه يفيد الدولة بنصائحه الثمينة. عهد المعز إلى يعقوب بن كلس، وكان يهوديا فأسلم، وإلى عسلوج بن الحسن بوضع نظام جديد للضرائب بدل النظام القديم، فوضعا قانونا لتقدير الأملاك وتحديد الضرائب، ومنع الجباة من الاستطالة والظلم فزاد ريع القطر، قلدهما المعز الخراج والحسبة والسواحل والعشور والجوالي والأحباس والمواريث والشرطتين.

لما فتح جوهر الصقلي مصر باسم مولاه المعز تعهد لأهلها في الكتاب الذي دفعه إليهم بإسقاط الرسوم الجائرة، وأن يجريهم في المواريث على كتاب الله وسنة نبيه، وأن يضع ما كان يؤخذ من تركات موتاهم لبيت المال من غير وصية من المتوفى بها، وقل في الفاطميين العادل العف عن الأموال من الوزراء، فقد ولي الوزارة الحسن بن علي اليازوري بالإكراه، وكان غنيا ولا يستبد

121

برأيه، ولا يأنف من مشاورة ثقاته وأصفيائه، ومع هذا كان نصيبه القتل (450) بوشاية الواشين، ولم يكن

122

بعده من يعادله في كفاءته من الوزراء الفاطميين، فكثرت الدسائس في الجيش والقصر حتى تعاقب على الوزارة أربعون وزيرا في تسع سنوات.

وزاد هذه الحالة سوءا ذلك النزاع الذي قام بين عناصر الجيش من الأتراك والسودانيين، واستكثر المعز من الجند بمصر، فكانوا ما بين كتامة وروم وصقالبة وبربر ومغاربة، لا يحصون كثرة حتى قيل لم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر بن فيلبس الرومي الكبير أكثر من جيوش المعز الفاطمي. واستكثر

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٧٧