لما ضاق المسلمون بوطأة الصليبيين عليهم في دمياط كتب الملك المعظم إلى سبط ابن الجوزي الواعظ المشهور، أريد أن تحرض الناس على الجهاد، وتعرفهم ما يجري على إخوانهم أهل دمياط، وإني كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفي قرية منها ألف وستمائة أملاك لأهلها وأربعمائة سلطانية، وأريد أن تخرج الدماشقة ليذبوا عن أملاكهم، الأصاغر منهم والأكابر، فأجابوا بالسمع والطاعة، ثم تخلفوا فأخذ الثمن والخمس من أموالهم لتقاعسهم، فما اعترض معترض، ولا نقد ناقد عاقل؛ لأن مطلب السلطان كان ظاهر الفائدة، خاليا من الشوائب، يقصد من حمل الناس على الحرب غيرته على البلاد وأهلها، ويعرف قومه أنه بعيد عن الإسراف في أموال الرعية لا يجبي مالا، وفي قصره ألوف وألوف من الجواهر والحلي والذهب على نحو ما فعل الظاهر بيبرس وشق عليه مجاهرة النووي له بالحق. على أن عمل الظاهر في أخذ فتاوى العلماء دليل على أنه لا يخرج عن الشرع، ويحاول تطبيق أعماله عليه، لا يسير سير المستبدين ولو بمراعاة الظواهر، قال ابن إياس: إن الظاهر كان سخيا على الرعية باسط اليد، يفرق الغنائم التي تحصل من فتوحاته على الرعية حتى يرغبهم في القتال وقت الحرب، وكان محبا للمال كثير المصادرات للرعية لأجل الغزوات والتجاريد، وينفق ذلك على العسكر، ولما وردت الأخبار في سنة سبعمائة بعودة التتر إلى الشام، صدر أمر سلطان مصر من المماليك باستخراج ثلث أموال غالب الأغنياء بمصر والشام؛ لاستخدام المقاتلة وبرز إلى محاربتهم بنفسه، فكان في ذلك النصر، ودفع عادية الأعداء عن البلاد.
كان الإخشيد أول من عمل الرواتب في مصر، وعمل له تقدير يحجز فيه المرتب عن الارتفاع، فأريد على أن يحط من الجرايات والأرزاق، فرأى أصحاب الرواتب الضعفاء وفيهم المستورون وأبناء النعم، فأخذ هذا العجز من كاتبه، أما الخلفاء فاقتنعوا في عصور الضعف أن تضمن الولايات من ديونهم بمال يحمل إليهم، وكانوا يضيقون فتنفجر الثورات، وأكثر ما يثور الجند لانقطاع أرزاقهم ورواتبهم، وكان الدافع إلى كثير من الثورات الأهلية ظلم العمال وجوع النساء والأطفال، والناس في مثل هذه الأحوال يلبون دعوة من يتقدم أمامهم ليتبعوه، والوزراء والكبراء ينهبون الرعايا من جهة ويطعمونهم من جهة أخرى.
كان الوزير ابن الفرات من أكبر رجال السياسة والإدارة في العباسيين، يسلب ما يسلب بطرق له يعرفها، ومنها أخذ مئات الألوف من الدنانير من ديوان الخاصة؛ أي أموال الخليفة يدبر لاقتنائها طرقا ملتوية، ومع هذا يجري على خمسة آلاف إنسان ما بين مائة دينار في الشهر إلى خمسة دراهم، وبنى داره بثلاثمائة وخمسين ألف دينار، وكان من المحسن ابنه وخليفته على عماله، وهو على ديوان المصادرات، من الجور والعيث، ما جمع به في آخر وزارة أبيه الثالثة بضعة ملايين دينار، وكان راتب الوزير في هذا العهد خمسة آلاف دينار في الشهر.
ولولاة الأقاليم وأمرائها وملوكها طريقة في أخذ الأموال فيها غرائب، فإن سيف الدولة بن حمدان صاحب الموصل وميافارقين وحلب أراد أن يستصفي غوطة دمشق لنفسه، وكانت لألوف من الناس، فخاف أهل دمشق على غوطتهم، وكتبوا إلى كافور الإخشيدي صاحب مصر، فجاء واستولى على دمشق وأعمالها. وكان سيف الدولة هذا يجوز أخذ ما في أيدي الناس، ويجور ولا يبالي، وأفحش قاضيه أبو الحصين
115
في الظلم، فكان إذا مات إنسان أخذ تركته لسيف الدولة، وقال: «كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك.» وصادر له تجارا في بالس (مسكنة) على ألف ألف دينار، واشتد ظلم سيف الدولة وظلم آل بيته على بني حبيب، وهم بنو عم بني حمدان، وكانت منازلهم في نصيبين تضمن منذ أول الإسلام بمائة ألف دينار، حتى اضطروا أن يهاجروا إلى الروم، وكانوا اثني