وما خلا مع هذا عصر من علماء ينكرون على الملوك ظلمهم الرعية، والظالم لا يرده على الأكثر وعظ واعظ ولا نصح ناصح، وقلما يلين إلا إذا ألانته قوة كأن يخشى ثورة تنشب، أو عدوا من بلاده يقرب. لما خرج الظاهر بيبرس البندقداري رأس دولة المماليك إلى قتال التتر بالشام، أخذ فتاوى العلماء بأنه يجوز له أخذ مال من الرعية؛ ليستنصر به على قتال العدو، فكتب له فقهاء الشام بذلك، فقال: هل بقي أحد، فقيل نعم، الشيخ محيي الدين النووي، فطلبه فحضر، فقال: اكتب خطك مع الفقهاء فامتنع، فقال: ما سبب امتناعك، فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير بندقدار وليس لك مال، ثم من الله عليك وجعلك ملكا، وسمعت أن عندك ألف مملوك كل مملوك له حياصة من ذهب، وعندك مائتا جارية لكل جارية حق من الحلي، فإذا أنفقت ذلك كله وبقيت المماليك بالبنود الصوف بدلا من الحوائص، وبقيت الجواري بثيابهن دون الحلي، أفتيك بأخذ المال من الرعية، فغضب الظاهر من كلامه، وقال: اخرج من بلدي - يعني دمشق - وأنكر فخر الدين بن عساكر على الملك المعظم تضمين المكوس والخمور، فعاقبه بأن انتزع منه المدرسة التقوية والصلاحية بدمشق. وأنكر العلماء على العزيز بن صلاح الدين إعادة المكوس، التي كان أبطلها أبوه وزيادته في شناعتها، ومجاهرته بالمعاصي والمنكرات، وإباحة أرباب الأمر والنهي الخمر والحشيش، وإقامة الضرائب عليها حتى اضطربت الديار المصرية من قلة العدل وكثرة المعاصي والفسوق، والعزيز هذا منع في دمشق استخدام أهل الذمة في شيء من الخدم السلطانية، وألزموا لبس الغيار،
114
وأين إدارة العزيز من إدارة صلاح الدين بتسامحها ومتانتها؛ فقد ذكر المؤرخون أنه لما عقد الصلح بين الإفرنج والمسلمين دخل خلق عظيم من الإفرنج إلى القدس للزيارة، فأكرمهم السلطان وقدم لهم الأطعمة وباسطهم.
وبعد، فلم يكن يحول بين الملوك وما يشتهون من الاسترسال في طلب المال من الناس إلا خشية فتاوى أمثال النووي وابن عساكر، ممن يعتقد الشعب صدقهم وصحة يقينهم ويسير إذا دعاه الداعي على رغائبهم، وإذا كان الممتنع عن مماشاة السلطان أو الملك يقصد بما يقول الآخرة أو وجه الله تقف موعظته عند حد الوعظ، لا تتعدى الأقوال، وإذا كان ممن يهتم بالأمور السياسية، ويعرف كيف يصيب الغرض ويبلغ المحز، يثير على السلطان وأصحاب السلطان غارة شعواء، ربما كان فيها زوال أمره وجرأة خصومه عليه. ولا يخلو زمن من حزب مخالف يرى في السياسة المتعبة بعض الحيف أو الخروج عن مقاصد الشرع. وزعماء هؤلاء المخالفين إما أن يقاوموا السلطان ويجاهروه بالعداء وينقدوه لا تأخذهم رهبة ولا رغبة، وإما أن يثيروا من يهوى هواهم يحملونهم على النقد أو الطعن في سياسة الملك، ومنهم من يستعمل الشعراء في الدعوة إلى ما يتطالون إليه من تنبيه الأفكار، يضعون أبياتا أو آغاني يتناشدها الناس والنساء والأولاد، وفيها صراحة أو شبه صراحة بما يجري في البلاد من الظلم، ومنهم من يكتب إلى السلطان رقاعا يبسطون له فيها سوء الحال، ويحذرونه قبح المآل عليه وعلى دولته، والسلطان أو الأمير يقابل هذه القوة بمثلها، فيستكثر من الرجال الذين يتخذهم بوق دعاية له، ويحتال بكل حيلة لتحقيق الآمال واستتباع الرجال، فإما أن يغدق المال على من يحاذر مخالفتهم فيعمي أبصارهم وبصائرهم، أو أن يطمعهم في منصب ما كانوا يحلمون بتوليه يشتري به سكوتهم، أو أن يصانعهم على ما يوافق هواهم، فيكون متدينا مع المتدينين، حرا مع الأحرار، يبسم لهذا ويحترم هذا، ويرفع مقامه فيشايعه ويرتضيه، ويحمل من وراءه من قومه على مشايعته بدون إعمال فكر ولا نظر. ومن الملوك من كانوا يعمدون في الوصول إلى مآربهم إلى الطرق المشروعة، ولا يطلبون من أمتهم غير المطالب المعقولة التي يقرها جمهور العقلاء.