109
الخضراء لما هلكت، فأحدث الأمير المسلم أول معهد ديني نصراني في تلك الديار.
قلنا: إن الرياسة في دولة بني أبي حفص كانت أولا، والتقديم لوزير الرأي والمشورة ، وكان يخص باسم شيخ الموحدين، وقد اختص القلم عندهم أيضا بمن يجيد الترسل ويؤتمن على الأسرار. وللسلطان قهرمان خاص بداره، وفي أحوال يجريها على قدرها وترتيبها من رزق وعطاء وكسوة ونفقة في المطابخ والاصطبلات وغيرها وخص باسم الحاجب، وكان السلطان في إفريقية إذا جلس للمظالم جلس حوله ثلاثة للرأي والمشورة، وجلس معهم وزير الجند إن كان كبيرا، وإن لم يكن كبيرا وقف بإزاء أولئك الثلاثة جلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وقد يكون هؤلاء الثلاثة من العشرة المذكورين بعد هؤلاء، وهم خمسون نفرا، فإذا أمر السلطان بأمر بلغه وزير الجند لآخر واقف وراءه، وبلغه الآخر إلى أن يسمع الأمر السلطاني من خارج الباب، بنقل أناس عن أناس، وتقف جماعة تسمى بالوقافين بأيديهم السيوف حوله، وهم دون الخمسين المذكورين في الرتبة.
هذا ما نقله ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار على عهد دولة الحفصيين، وذكر أن الجند هم من الموحدين والأندلسيين، ومن قبائل العرب، وقليل ممن هرب وأقام عندهم من مصر، والفرنجة هم خاصة السلطان يقال لهم العلوج لا يطمئن إلا إليهم، ثم ذكر أرزاقهم وطبقاتهم والإحسانات عليهم والمرتبات والرتب وإحصاء الجيوش، وكان لهذا السلطان ثلاثة وزراء: وزير الجند وهو بمثابة الحاجب بمصر، ووزير المال وهو صاحب الأشغال، ووزير الفصل وهو كاتب السر، ومهما تجدد عند كل واحد منهم أمر يطالبه بالمكاتبة فيما يتعلق بشغله المنوط به، ويجاوبهم بما يراه. قال ابن سعيد والذي يتولى إبلاغ قصص الظلامات إلى هذا السلطان يسمى صاحب الرقاعات يأخذ براءات المتظلمين؛ أي قصصهم ويعرضها ويخرج بجوابها.
منذ بدأت الخلافة العباسية بالضعف أصبح التاريخ على الجملة تاريخ ملوك الأطراف، أو ملوك الطوائف، أو الأمراء الخاضعين أو المشاكسين، ويستمد كل ملك أو أمير قواعده في إدارة الملك من حاجته ومحيطه، وينسج في ظواهرها على ما أخذه عن بغداد، وقلما يتعدى في الجباية الحد المقرر في الشريعة، ولا يختلف الخروج عنها إلا بقدر قوة السلطان وحاجته وطمعه.
كان ديوان الإنشاء بمصر على مثال ديوان الإنشاء في بغداد ،
110
أحدثه أحمد بن طولون لما تولى أمر مصر وعظم ملكها، ولم يكن لمصر ديوان إنشاء من قبله، فاتخذ المنشئين وتوالت دواوين الإنشاء بذلك، وكان ابن طولون يقعد للمظالم - كما يقعد الخلفاء - وفي كتابة وجدت على البردي ظهر أن الطولونيين فتشوا مصر تفتيشا عاما من سنة 258 إلى سنة 261. وفي عهد الطولونيين عومل النصارى واليهود معاملة حسنة، واستخدم كثير من الموظفين من أبناء مصر، وبالغ بنو طولون في عمارة مصر، فاستفادوا مالا ووفروا الرزق للمصريين، وكانت عدة
111
العساكر المصرية في أيام أحمد بن طولون اثنى عشر ألف مملوك، وسبعة آلاف حر مرتزق، وأربعين ألف أسود، وكانت عادة الديوان بمصر في أيام بني أمية وبني العباس أربعين ألف فارس.
كان عمل الطولونيين صالحا من كل وجه خلافا لبني بويه بالشرق في القرن التالي مثلا؛ فقد خبط معز الدولة بن بويه في المشرق الناس، واستخرج الأموال من غير وجوهها،
112
فأقطع قواده وخواصه وأتراكه الضياع، فصار إليهم أكثر سواد العراق، وزالت أيدي العمال عنه، وبطلت الدواوين وبطلت أزمتها، وجمعت الأعمال كلها في ديوان واحد، فنقص الارتفاع وبطلت العمارة، وسامح الوزراء المقطعين وقبلوا منهم الرشا، وأخذوا المصانعات في بعض، وقبلوا الشفاعات في آخر، فحصلت لهم الإقطاعات بعبر متفاوتة، وأتت الجوائح على التناء
113
ورقت أحوالهم، فمن بين هارب جال، وبين مظلوم صابر لا ينصف، وبين مستريح إلى تسليم ضيعته إلى المقطع ليأمن شره، فبطلت العمارات، وأغلقت الدواوين، وامحى أثر الكتابة والعمالة، ومات من كان يحسنها، ونشأ قوم لا يعرفونها، ثم تضاعفت النفقات فزادت على الدخل.