103
وجرت العادة أن يركب السلطان بعد العصر في عسكره ويخرج إلى مكان فسيح، فيقف على نشر من الأرض وتتطارد الخيل قدامه، وتتطاعن الفرسان وتتداعى الأقران، وتمثل الحرب لديه وتقام صنوفها على سبيل التمرين، حتى كأنها يوم حرب حقيقية، وقيل: إن عسكره 140 ألفا، وقيل 40 ألف فارس غير حفظة المدن والسواحل، ويمكنه إذا استجاش لحرب أن يخرج في جموع كثيرة لا تكاد تنحصر.
وأكثر ما كانت الإدارة منتظمة في إفريقية - أي تونس على عهد الآغالبة - ثم العبيديين، ثم ملوك صنهاجة، ثم ملوك الحفصيين، وكان إبراهيم بن الأغلب أول من اتخذ العبيد لحمل سلاحه واستكثر من طبقاتهم، واستغنى عن استعمال الرعية في شيء من أموره، وقلد العبيديون في إفريقية والقيروان
104
الدولتين قبلهم في الخطط الوزارية وغيرها، وكانت الرياسة في دولة بني أبي حفص أولا، والتقديم لوزير الرأي والمشورة، وكان يخص باسم شيخ الموحدين، وكان له النظر في الولايات والعزل وقود العساكر والحروب، واختص الحسبان والديوان برتبة أخرى، ويسمى متوليها بصاحب الأشغال، ينظر فيها النظر المطلق في الدخل والخرج، ويحاسب ويستخلص الأموال، ويعاقب على التفريط. وكانت دولة الحفصيين
105
على أسلوب العرب، وعدتهم الرماح والسيوف والنبال، ولم تكن المكاحل؛ أي المدافع ظهرت في مبتدأ أمرهم، وإنما ظهرت في مؤخر أيامهم أيام ألفونس الأحول صاحب قشتالة، وكانت عساكرهم تدعى بالموحدين سماهم بذلك محمد بن تومرت؛ لأنه وضع لهم توحيدا بلسان البربر، زعم أنه هو كلمة التوحيد، وكان لهذه الدولة عز
106
وسلطان واتساع ملك، إلا أن الغالب عليها سوء الإدارة؛ لتغلب الفكر البربري على رجالها، فلم يكن في القائمين بها الاستعداد الكافي للإبداع، لبعدها عن الصبغة العربية والحضارة الشرقية، وكان ملوكها يجلون العلماء ويحافظون على الشرع، وكان بتونس أربعة من القضاة: قاضي الجماعة، وقاضي الأنكحة، وقاضي المعاملات، وقاضي الأهلة، وقاضي الجماعة عبارة عن قاضي القضاة بالمشرق ، وكان بنو أبي حفص يجعلون يوم الخميس لاجتماع القاضي والعلماء في مجالسهم، وتنفذ بين أيديهم الأحكام الشرعية، وتلقى بين عليهم المسائل المعضلة، تتصرف بين يدي السلطان فلا يقع بين يديه من الأحكام إلا ما هو مشهور. وكانت إدارة إفريقية منذ الفتح بأيدي ولاة ينصبهم الخلفاء، والولاة يشرفون على أمهات الدواوين، وهي: ديوان الجند، وديوان الخراج، وديوان الرسائل، ولكل واحد منها فروع يقوم بها كتاب ومحاسبون، ولما ولي الأغلب بن إبراهيم أحسن إلى الجند، وأجرى الأرزاق الواسعة على عماله فقبض أيديهم عن الناس.
وبينا كان بعض الصنهاجيين يحرصون على تكثير سواد المسلمين أسوة بسائر الدول الإسلامية، حتى إن الحسن بن علي الصنهاجي
107
لما فتح تونس «عرض الإسلام على من بها من الكفار فمن أسلم سلم وإلا قتل.» كان بعض الملثمين مثل إدريس بن يعقوب أول من أدخل النصارى إلى مراكش واستنصر بهم، ودخل معهم اثنا عشر ألف نصراني (630ه) على نحو ما فعل محمد بن سعد المعروف بابن مرذنيش المتغلب على الأندلس قبل نحو قرن، بأن جعل جيشه من الإفرنج
108
اتخذه أجنادا له وأنصارا، وذلك حين أحسن اختلاف القواد عليه وتنكر أكثر الرعية له، فقتل بعض قواده، وأقطع الأجناد والقواد الجدد ما كان أولئك القواد يملكونه، وأخرج كثيرا من أهل مرسية وأسكن النصارى دورهم، ثم بلغت العلاقات بين ملوك المغاربة والإفرنج أن كان أمراء تونس ومراكش يجندون في جيوشهم أبناء الإفرنج، ويأذنون لهم بإقامة شعائر دينهم علنا في الثكن التي ينزلونها، وعقدت معاهدات تضمن للفرنج دماءهم وأموالهم، وتبيح لهم أن يتحاكموا عند قناصلهم، وأن يقيموا شعائر دينهم جهرا، وكان ملوك الإسلام هم الذين يعطونهم عرصات الأرض اللازمة لبناء الكنائس والمقابر، وهذا كان في القرن الثاني عشر والثالث عشر للميلاد (قاله بونيه موري)، وحدث أن رمضان باي أمير تونس (1108) بنى لأمه الإيطالية النصرانية كنيسة في تونس