تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

100

الأندلس ردوا الإقطاعات كما كانت.

واقتبست الغرب الأقصى أوضاع حكومتها على الغالب من جارتها الأندلس. وإذ استولت دولة الغرب في عهد المرابطين وعهد الموحدين على البلاد الأندلسية، تشابهت الإدارة في المملكتين إلى حد غير قليل، قال ابن خلدون: لما جاءت دولة الموحدين لم تتمكن فيها الحضارة الداعية إلى انتحال الألقاب، وتمييز الخطط وتعيينها بالأسماء إلا آخرا، فلم يكن عندهم من الرتب إلا رتبة الوزير، فكانوا أولا يخصون بهذا الاسم الكاتب المتصرف المشارك للسلطان في خاص أمره، وله مع ذلك النظر في الحساب والأشغال المالية، ثم صار بعد ذلك اسم الوزير لأهل نسب الدولة من الموحدين، وكان أهل المغرب يسمون صاحب ديوان الإنشاء صاحب «القلم الأعلى». وذكر المراكشي

101

أن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن كان في جميع أيامه وسيره مؤثرا للعدل متحريا له، بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها، كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء الأول، فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس، وكان يقعد للناس عامة لا يحجبه أحد من صغير أو كبير، يقعد في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة لا ينفذها غيره، ولما ولي ابن بقي كان فيما اشترطه عليه أن يكون قعوده بحيث يسمع حكمه في جميع القضايا، فكان يقعد في موضع بينه وبين أمير المؤمنين ستر من ألواح، وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر، يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم، وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عنه عمالهم وقضاتهم وولاتهم، فإذا أثنوا خيرا قال: اعلموا أنكم مسئولون عن هذه الشهادة يوم القيامة، فلا يقولن أحد منكم إلا حقا، وربما تلا في بعض المجالس:

يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين .

وفي أيامه أمر أن يتميز اليهود في المغرب بلباس يختصون به دون غيرهم لشكه في إسلامهم، وكان يقول: لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم، ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم، وجعلت أموالهم فيئا للمسلمين، ولم تنعقد ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة، ولا عمرت في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة، واليهود يظهرون الإسلام، ويصلون في المساجد، ويقرئون أولادهم القرآن، وكان ذلك في الربع الأول من القرن السابع.

كسر

102

عبد المؤمن سنة 555 بلاد إفريقية، والمغرب من برقة من جهة الشرق إلى السوس الأقصى في المغرب بأنواع الفراسخ والأميال طولا وعرضا، ثم أسقط من التكسير الثلث في الجبال والغياض والأنهار والسباخ والحزون والطرق، وما بقي قسط عليه الخراج وألزم كل قبيلة قسطها من الزرع، فهو أول من أحدث ذلك بالمغرب. وكان حسبان العطاء والخراج مجموعا لواحد في دولة بني مرين، وصاحب هذه الرتبة هو الذي يصحح الحسبانات كلها، ويرجع إلى ديوانه ونظره معقب بنظر السلطان أو الوزير، وخطه معتبر في صحة الحسبان في الخراج والعطاء.

وكان للأشياخ الكبار من الجند على عهد بني مرين في مراكش الإقطاعات الجارية عليهم، لكل واحد منهم في كل سنة عشرون ألف مثقال من الذهب، يأخذها من قبائل وقرى وضياع وقلاع، ويحصل له من القمح والشعير والحبوب من تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق، ولكل واحد من الإقطاع والإحسان في رأس كل سنة حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محليان، وبقجة قماش وجوخ، وربما زيد الأكابر على ذلك، وللأشياخ الصغار من الإقطاع والإحسان نصف ما للأشياخ الكبار، ويكون لكل واحد من المقربين إلى السلطان من أشياخ الجند ستون مثقالا من الذهب في كل شهر، ومن دون ذلك يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا، ثم ما دونها إلى أن يتناهى إلى أقل الطبقات، وهي ستة مثاقيل في كل شهر، وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع، ولقاضي القضاة كل يوم مثقال من الذهب، وله أراض يسيرة يزرع بها ما تجيء بمئونته وعليق دوابه، ولكاتب السر في كل يوم مثقالان من الذهب، وله قريتان يحصل له منهما محصول جيد مع رسوم كثيرة له على البلاد ومنافع وإرفاقات،

الإسلام والحضارة العربية · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الإسلام والحضارة العربيةص ٢٧٢